Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

شخصية مصر المزدوجة - ساطع نور الدين (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

الصورة المرسومة في الذاكرة والمخيلة عن مصر باعتبارها مركز العالم العربي ورائدته ومصدر ثقافاته وآدابه وفنونه، تمحو في بعض الأحيان حقيقة أنها كانت ولا تزال المهد الأول والأبرز للحركات الأصولية الإسلامية على اختلافها، من جماعة الاخوان المسلمين الأعرق والاهم والاوسع انتشارا، الى التيارات السلفية التي ولدت على هامشها ونقيضها، الى التنظيمات التكفيرية والإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة الذي يقوده الآن مصري كان في الاصل من مؤسسيه ومنظريه.
على الدوام، كان هناك مصر النهضة والانفتاح ومصر التعصب والانغلاق. وكانت هذه الازدواجية مكوّناً طبيعياً من مكونات الشخصية المصرية، بخلاف بقية البلدان العربية التي لم تتبلور حتى الآن شخصياتها الوطنية تبلوراً تاماً وناجزاً، أو هي استندت الى شخصيات مصطنعة لا يمكن أن توصف بأي حال من الأحوال بأنها وطنية أو حتى قبلية.
وعلى الدوام أيضاً كانت مصر في حالة صراع داخلي بين هذين المكونين لشخصيتها، وكانت الحقبة الناصرية المؤثرة والحاسمة وما تلاها من تجارب فضائحية مع الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، هي التي أسست للانقلاب الاسلامي الحالي على الدولة والمجــتمع والمؤســسات عبر صناديق الاقتراع الحر التي فتحتها الثورة الشبابية المدنية والليــبرالية، التي كانت أشبه بصحوة مصرية، تتصل بحلم حركة النــهضة في مطلع القرن الماضي والتحقت بروح العصر وقيمه وأفكاره.
ما يدور اليوم في مصر يدخل في سياق ذلك الصراع التاريخي، ويعبّر عن حاجة مصر في لحظة الاضطراب والتحول الى الاعتماد على هويتها الإسلامية من أجل ضمان انضباط المجتمع في مسار محدد، واختبار النموذج الإسلامي الذي لم يسبق أن ساد في وادي النيل، وظل بين الحين والآخر مدفوعا الى حمل السلاح من أجل نيل فرصته للانخراط في العمل السياسي العلني والمشروع.
هي لحظة توتر شديد، لا يحتاج فيها التيار الاسلامي المتجذر في مصر أكثر من أي بلد عربي آخر، الى استخدام السلاح، بل الى القليل من الدهاء والمكر، لكي يصل الى السلطة التي تبدو أنها شرّعت أبوابها له، نتيجة أجواء الحرية والديموقراطية التي فرضتها الثورة، ونتيجة تخاذل التيار المقابل وسوء إدارته لمعركة بناء الدولة الجديدة في مصر.
الغلبة واضحة لذلك التيار الاسلامي المصري. هذا ما أفرزته أمزجة الشارع وصناديق الاقتراع التي لا يمكن التشكيك بها، ولا يجوز ان تكون مبرراً لاستدعاء الطغيان. مصر المقبلة إسلامية الهوى والهوية، لمَ لا؟ لا مفر من تجرّع تلك الكأس المرة، والقول وداعاً لمصر، لفترة ما زال يمكن تقصيرها بشروط وفرتها الثورة نفسها.
تلك هي مصر الحقيقية، المزدوجة الشخصية.

 

← Back to Selected Articles