محاكمة مؤجلة - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
إخراج الجثة، اي جثة، من القبر هو عمل غير أخلاقي وغير انساني، حتى ولو كان الغرض المعلن الوصول الى حقيقة يقال إنها ضاعت منذ زمن بعيد، وصار بإمكان العلم أن يجزم بها.
ما كشفته محطة الجزيرة الفضائية، لا يحتاج الى إخراج جثمان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بعد ثماني سنوات على اغتياله، بل فقط الى الذهاب بالأدلة التي توصلت اليها الى محكمة دولية او محلية او حتى افتراضية، من أجل إجراء المحاكمة التي كان ولا يزال قرار استبعادها من جدول الأعمال الرسمي والشعبي الفلسطيني لغزاً محيراً، عدا كونه خطيئة سياسية كبرى.
أنجزت «الجزيرة» سبقاً صحافياً مشهوداً، يمكن ان يدخل في سجلها المهني المتميز. وهو ما لا يحتاج الى طرح الأسئلة الصحافية التقليدية الساذجة عن الدافع، وعن التوقيت، وعن الأثر الذي يمكن أن يحدثه هذا الدليل الجديد الذي لا شك فيه، كما يبدو، على أن عرفات اغتيل بواسطة مادة مشعة لا يمكن أن تنتج الا في مفاعل نووي.
السؤال الوحيد المشروع في هذا السياق هو عن سبب إحجام الجانب الفلسطيني الرسمي والسياسي وحتى الشعبي عن المضي قدماً في ملاحقة تلك الجريمة منذ اللحظة الاولى، والتعامل معها باعتبارها قدراً لا مفر منه او استجابة إلهية لدعائه الشهير قبل أيام من رحيله بأن يموت شهيداً، في مقره في مبنى المقاطعة في رام الله، في العام ٢٠٠٤.
كان الرحيل في تلك الفترة أشبه بلحظة خلاص أجمع العالم كله على التقاطها: كان الفلسطينيون يومها وعلى اختلاف قربهم من عرفات السياسي او حتى التنظيمي، يشعرون بأن الرجل بلغ نهاية مسيرته، وآن له ان يرتاح ويفسح المجال لجيل جديد ان يتولى المهمة. وكان العرب، وفي إجماع لا مثيل له، يعبرون عن ضيقهم من الرجل الذي كان يقتحم مجالسهم ويتحداهم بقضية خاسرة. وكان الأميركيون والأوروبيون يظنون أن الفرصة مؤاتية للتخلص من الرجل الذي كان يشاغب على خططهم العربية (الخليجية) الأخرى.
إخراج الجثة من القبر لن يعيد عقارب الساعة الى الوراء. فقد قتل الرجل منذ سنوات، كأنها عقود او حتى قرون. وأسهم مصرعه في المزيد من تهميش القضية الفلسطينية، وفي ترسيخ جدول الاعمال الاسرائيلي الهادف الى شطبها نهائياً من لائحة الاهتمام.
الاختراق الوحيد الذي يمكن ان تحققه «الجزيرة» من هذا السبق الصحافي، هو تعديل اللغة التي تستخدم حتى من الفلسطينيين انفسهم في الحديث عن اغتيال عرفات، والتي تتعمّد تجهيل الفاعل الاسرائيلي، برغم أنه أعلن مسؤوليته صراحة عن تنفــيذ العملية.. وهو ينتظر محاكمة لم يحن أوانها بعد.