إسرائيل المذعورة وربيعُ التعدّدية! - زياد الصائغ (الجمهورية)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم ترتَح إسرائيل يوماً للديموقراطيات، بل لطالما كانت حليفة الديكتاتوريَّات. ولم تفهم إسرائيل يوماً التعدّديات، بل لطالما سعت الى فضاءاتٍ جغرافية نقيّة الإتنية الدينية من حولِها. ولم تعِ إسرائيل يوماً ذاتها بمنأى عن التنظير للذهنية الأقلّوية وشدِّ عصب مكوِّناتها بالترهيب لممارسة الإرهاب.
في كلّ ما سبق استساغت إسرائيل الستاتيكو السلبي الذي ساد العالم العربي على مدى الأربعين عاماً الماضية، واهتمّت باستمرار تجويف الإرادات الشعبية العربية من أيّ إمكان فعلٍ مقاومٍ حقيقي، عدا حتماً ذلك الذي حمته الديموقراطية اللبنانية، في قناعةٍ منها بأنّ مصادرة حرّية الناس وعدالتهم الاجتماعية، كفيلة وحدها بتوجيه الأنظار عن ارتكاباتها الإجرامية. والقارئُ الهادئُ في مجريات الأربعين عاماً الماضية، يستنتج، وإلى حدٍّ كبير، براعة هذا الرهان، عدا حتماً ذاك الذي أفشلته التعدّدية اللبنانية.
ومهما يكُن من أمرِ الأربعين عاماً الماضية، التي باتت وراءَنا منذ عامٍ ونيّف تقريباً، وتحديداً في استهلال ما اصطُلح على تسميته بـ"ثورات الربيع العربي"، فإنّ ما يعنينا في هذه المرحلة - المخاض منها، والمشوبة بجلجلةٍ انتقالية، يتبدّى في هذا الارتباك الاسرائيلي الفظيع الى حدّ تناقض الرؤى في التعاطي مع هذه المرحلة، واستعادة مقاربة التهويل بالتطرّف الآتي محلّ الاستبدادات الآفلة، لكأنّ التطرّف معزول عن الاستبدادات أو العكس من ناحية، وصولاً الى الترحيب بالتغيّرات الديموقراطية الواقعة بما هي دعامةٌ لما تدَّعيه زيفاً هي (إسرائيل) من ديموقراطية، فيما عنصريتها نافرةٌ حتى الدموية من ناحيةٍ أخرى.
وبين ارتباك التوجُّس أو الترحيب، يزجّ الربيع العربي اسرائيل في مأزقٍ وجوديّ استثنائي، يتبرّعُ بعض التكتيكيون بل حتى الاستراتيجيّون لإنقاذها منه، مُنساقين لاستثارةِ غرائز من يسمُّونهم زوراً بـ"الأقلّيات"، إذ ليس في الشرق الأوسط سوى إسرائيل أقلّية غاصبة، فيما الفُسيفساء الاجتماعي العربي، والمتفرِّع عنه ذاك الشرق – الأوسطي أو الأورو – متوسطيّ، وفي حلّته الدينية أو الايديولوجية أو الثقافية، قائمٌ في إبداعِ إدارة التنوُّع، بدَل تأكيد نقاءَات عرقٍ بمزجٍ بين التديّني والعسكريتاريّ برتِّ قماشةٍ علمانيةٍ بالية، تمارسه إسرائيل بصلَفٍ بات يحكي هلاكها الاخلاقيّ، حتى بين النُّخب اليهودية في الولايات المتحدة الأميريكة وأوروبا، بل حتى في بعضِ مثقّفي داخلها. إسرائيل في الربيع العربي مذعورة، وفي أسفل إمكان الانتفاضة على واقع ذعرها، خصوصاً في ظلّ مصالحة فلسطينية – فلسطينية قيد الاستكمال.
والأهم في الإفادة من حالِ ذعرها تفكيك مفهومين فلسفيّين قامت عليهما تاريخيّاً. أوّلهما المفهوم الأقلّويّ. وثانيهما مفهوم الحماية الخارجية.
وبين المفهومين تمادت في ماكينتها اليهو-صهويونية من جهة، وتوسَّعت في ممارستها العسكرية – العدوانية من جهةٍ أخرى. وتفكيك هذين المفهومين مع تماديهما وتوسُّعهما، يقتضي، ومن الانتلجنسيا الليبرالية اللبنانية والعربية، وبثوراتٍ دستورية تحاكي ثورات الشارع، صدَّ مسوّقي بدعة الأقلّيات الخائفة والمحتاجة لضمانات، بما هم من قبيل التقارب مع الذعر الاسرائيلي، يقتضي منها الإسراع في تمكين حركيَّتها من فاعليةٍ واقعية من خلال إطار فكريٍّ حاضنٍ بدايةً لرؤيتها التحرّرية، وقلبها النابض في لبنان وفلسطين، وصولاً إلى بناءِ تيارٍ سياسيّ متماسك، يضخّ الرجاء محلّ سياقات التهويل والتحريض.
إسرائيل اليوم مذعورة من الديموقراطية الآتية من حتمية التعدّدية، وبات يعنيها استمرار الحديديات، فهل تعي الأخيرة الفالِقَ الزلزاليّ بين ما تدعو إليه وما تعيشه؟