Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

كيف تعود المياه الى مجاريها؟ - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

لطالما شكل موضوع المياه مادة خصبة في التاريخ. لا بل ان فكرة الخصوبة نفسها قد استمدت مشروعيتها من وجود المياه.
كتب الكثير في نقد إدارة المياه العذبة في لبنان. وقد تم الاستعانة بالكثير من التجارب والخبرات المحلية والعالمية لمناصرة فكرة بناء السدود السطحية لتأمين المزيد من المياه مع توقعات زيادة في النمو والطلب... الا ان أحداً لم يعد الى الثقافة الشعبية، الى البحث في معتقدات وتجارب الشعوب في كيفية تعاملها مع هذا المورد الاستراتيجي في حياة البشر.
هناك الكثير من الأمثال والحكم والقصص الشعبية، بالإضافة الى الأغاني الشعبية وأغاني العمل التي تتحدث عن المياه. الا أن أكثر المقولات الشعبية دلالة على موضوع استخدام السدود (غير الطبيعية) لجمع المياه، هو المثل القائل بعد مصالحة، او التي تأتي عادة بعد حل مشاكل قائمة فيقال: «عادت المياه إلى مجاريها». فما الذي كان يعنيه هذا المثل؟
لمعرفة معنى هذا المثل ودلالاته، يجب ان نعرف كيف كانت تحصل عمليات الري. إن معظم عمليات الري كانت تحصل جراً، تماماً كما يجري أي نهر او ساقية باتجاه السهل او الوادي او البحر. فالجريان هو احد أهم الخصائص لهذا المورد المميز. ولا تكمن اهمية الجريان في كونه عاملاً طبيعياً يساهم في ايصال الماء الى اماكن مختلفة، بل هو عامل مؤثر على نوعية المياه ايضا. فالكل يعلم ان المياه الجارية، ومهما تعرضت الى الملوثات من مصادر مختلفة، تبقى افضل بكثير من ناحية النوعية من المياه الراكدة سواء في وعاء او بركة مكشوفة او خلف سد مكشوف.
فالجريان اذاً هو عامل محدد لطبيعة المياه وملتصق في جوهر وجودها، ومن دونه، تفقد مقوماتها الاساسية ومبرر وجودها وجدواها. والجريان ايضا، ولكل هذه الاسباب المجتمعة والتي لا نتوسع فيها في هذه العجالة، يعتر مبدأ اساسيا لا يفترض تجاوزه في اية استراتيجية يمكن ان تضعها الدول، مهما اجتهدت الشركات الهندسية التي تبتغي في نهاية المطاف الاستثمار كأولوية وليس الحماية والمحافظة.
فهل احترمت الاستراتيجة الوطنية لقطاع المياه التي اقرها مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 9/3/2012 والتي تم اعتبارها بمثابة خارطة طريق، لهذا المبدأ الاستراتيجي؟
ان من يراجع أهم بنود هذه الاستراتيجية وخطتها، يكتشف مجددا أنها لا تخرج عن بنود الخطة العشرية التي وضعت منذ سنوات في جوهراها والتي تراهن بشكل رئيسي على إنشاء السدود السطحية المكلفة والخطرة. فالموازنة المرصودة لتخزين المياه السطحية في سدود وبحيرات تبلغ 880 مليون م3، بالمقارنة مع الموازنة المرصودة لاستخدام موارد المياه السطحية من الينابيع بطريقة مثلى (64 مليون م3 إضافي)، والموازنة لإعادة تغذية اصطناعية للمياه الجوفية (200 مليون م3).
بالإضافة الى تمديد خطوط النقل والشبكات والخزانات وتركيب العدادات وإعادة تأهيل مشاريع الري وتجميع مياه الصرف ومعالجتها ( 80 % العام 2015).
ولا تذكر الاستراتيجية شيئاً عن كيفية الاستفادة من العالم الجوفي في بعض المغاور، مع الإشارة الى اكتشاف مجرى جديد في مغارة جعيتا الذي كشفت عنه «السفير» في 13/9/2011 والذي يمكن ان يغني عن إنشاء سدود.
بحسب الاستراتيجية، يبلغ عدد المشاريع القائمة حاليا وتلك المخطط لها في قطاع المياه 321 مشروعا بقيمة ما يقارب مليارين ونصف المليار دولار اميركي للفترة الممتدة بين 2011 و2015 ، وليس هناك من اجراءات لاسترداد الكلفة التشغيلية المتوقعة العام 2021 الا بزيادة التعرفة. انطلاقا من ذلك، يحق للجتمع المدني والمستهلك اللبناني ان يسأل عن الجدوى والبدائل والاوليات. وربما يفترض قلب الاوليات بدل صرف الموازنات الضخمة لتأمين المياه. وليس من الصعب اقناع الناس، لا سيما اؤلئك الذين يعانون من انقطاع المياه، ان المطلوب لكي تصلهم المياه وفق حاجاتهم الرئيسية، اعادة ترتيب الاولويات. فيصبح ضبط الطلب اولوية على زيادة عوامل الاستثمار، وعدالة التوزيع ووقف السرقات والهدر في الشبكات والعيارات أولوية أيضا على إنشاء السدود...الخ.
بناء على ما تقدم يصبح الجواب السريع على سؤال مدى احترام الحكومة لمبادئ الاستراتيجية هو بالطبع لا. وهذا ما يحتم على هذه الحكومة او على اية حكومة لاحقة تصحيح هذا الوضع في أسرع وقت ممكن واعادة تركيز الاستراتيجية على مبادئ الحفاظ على المورد والحماية وعدالة التوزيع وقواعد حفظ حقوق الإنسان الحالي والآتي ايضا، بالإضافة الى الحفاظ على إمكانية تجدد هذا المورد وعلى النظام البيئي الذي ينتمي اليه... فتعود المياه الى مجاريها حقاً.

← Back to Selected Articles