عـودة الرئيـس أم عـودة النـظام؟ - عباس بيضون (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
سارع الإخوان إلى بسط هيمنتهم على الدولة، قرارات الرئيس مرسي أطاحت بسلطة المجلس العسكري واشتبكت مع سلطة القضاء. لكن هذا كان إعلاناً عن ان الرئيس هو الرئيس ولا يزال وحده مركز السلطة وعمودها. لا يزال النظام المصري يتركز حول الرئيس ولا يزال ينبثق منه ويصدر عنه، تماما كما كان الأمر حينما واجه الرئيس السادات كل التركة الناصرية وكانت النتيجة ان أطاح بها لأنه الرئيس ولأن النظام المصري هو الرئيس أولاً. لم يقبل الرئيس بأن يشاركه السلطة المجلس العسكري ولم يكلفه هذا سوى قرار أحال فيه أركانه إلى التقاعد، وحين صدر القرار خفنا من ردة الفعل، لكن شيئاً لم يحدث لأن قرار الرئيس تركهم بلا سلطة. كان على الرئيس أن يعدل ذلك ليكون الرئيس. ولن ننتظر منه أن يستسلم لديموقراطية الشارع فهذه لا حساب لها في نظام، التعيين فيه هو الأساس والانتخاب فيه يشبه التعيين. الانتخاب صفقة يرتضيها الجميع والمعارضة أولاً، ويلتزم الكل بها، ولعل الرئيس مبارك في استعجاله التوريث أخل بها فأخل بقواعد النظام نفسها ودفع الثمن. لكن انهيار المركز الرئاسي مع مبارك لا يعني انه انهار نهائياً، إذ يكفي أن يوجد الرئيس ليتحلق النظام حوله، يكفي أن يوجد ليصدر عنه، انه نظام للرئيس فيه ان يشرع وأن ينفذ جامعاً هكذا بين دفتي السلطة وبين ركنيها، فقد قام النظام على أن يكون الرئيس فرعوناً صغيراً وعلى أن يتجمع في يديه كل شيء. انه نظام فريد، نظام آسيوي، نظام الأمم النهرية التي يكون فيها النهر حياة البلد وتقوم السلطة بالإشراف على تنظيم استعماله فتصل هكذا إلى كل بيت، وتحيط بكل شيء. لم تعد مصر ما كانته أيام الفراعنة، لكن النظام ما زال يتحدر من الرئاسة ويفيض عنها.
ماذا تفعل الرئاسة بعامل جديد نتجت عنه هو ديموقراطية الشارع، إذا كان الرئيس ما يزال فرعوناً صغيراً فإن السلطة لم تعد في رأس الهرم ولم تعد ما يسميه وما يركبّه هذا الرأس. لم تعد الانتخابات بصمته والمؤسسات إرادته والقيمون أشخاصه وحاشيته وعائلته. لم يعد البرلمان مجلسه والنقابات مرافقه والمؤسسات جماعته والشارع كرنفاله ومهرجانه. ذلك يعني ان الفرعون الصغير لم يعد وحده في الدولة والمجتمع. سلطة التشريع التي لا تزال في يده سيعيدها ولو بالتدريج إلى البرلمان.. والبرلمان الذي ما يزال خانعاً لن يبقى كذلك، ستتركز فيه قوى خارجة عن إرادته، قوى لا تستبعد أن يكون بعضها من حزبه الرئيسي نفسه، لن تكون كلمة الرئيس وحدها عندئذ بل لن تكون كلمته وحده، ستكون خلاصة جمع وتوفيق واستخلاص بين وجهات وآراء. لن تكون الانتخابات إرادة الرئيس والصفقة التي يعرضها على الأحزاب والمجتمع. ستكون الانتخابات حقيقية وسيعري السجال السلطة ويكون افتضاحها من أدوات السجال، وسيجد الرئيس نفسه محشوراً معها وسيضطر إلى أن يدافع وإلى أن يساجل وإلى أن يرد التهمة وإلى أن يتهم. لن يبقى في رأس الهرم مصونا حصيناً، ولن يكون مقامه فوق الشبهات، ولن يبقى بالطبع فوق الحساب وفوق المحاكمة. سيسأل عن كل صغيرة وكبيرة، وسيسأل عما يفعله أعوانه ومساعدوه، وعما يقترفه هؤلاء، وسيعلق به من أفعالهم وأفعال سواهم غبار كثير، فاللعبة السياسية لم تعد نظيفة نقية. لقد دخلت اليها شوائب ودخل اليها عكر ودخلت اليها أقذار وفضائح. لم يعد الرئيس صنماً ولم يعد مقدساً ولن يطول الوقت حتى يفرض الواقع فصل السلطات فلا تكون السلطات كلها في يديه، ولا يعود إليه أن يشرع وأن ينفذ، ويكون عندئذ للتشريع محل وللتنفيذ محل وللقضاء محل آخر. لن يبقى الفرعون الصغير هكذا طويلاً في مقامه، سينزل بإرادته او بغيرها عن كثير من صلاحياته. لن تبقى الرئاسة هي المؤسسة الوحيدة بل ستنشأ جنبها مؤسسات، وسيكون عليها ان تشاور وأن تحتكم وأن تحاسِب وتحاسَب. لكن أمراً جديداً سيطرأ هذه المرة ولم يكن للسلطة به قبل. ستنشأ هذه المرة معارضة تملك سلطة ان تتكلم وأن تحاسب وأن تضغط وأن تستنهض وان تحرّض وأن تظهر قوتها وأن تستدعي الشارع إلى موقفها وأن تحرج السلطة وتشوش عليها، وأن تخوض معها مباراة دائمة وامتحاناً متصلاً وان تضعها تحت عين دائمة وتحت رقابة لا تنتهي. أي ان الرئاسة التي لا تعود سلطة واحدة مدعوة إلى ان تواجه الشارع وحراكه وتموجه وتبدلاته وأن تكون دائماً نصب عينه ونصب رقابته.
لم تكن الدعوة إلى تظاهرة ضد هيمنة الاخوان المسلمين ناجحة، لم تكن هذه المرة مليونية بحق وأجمعت الصحف على كونها باهتة قليلة التأثير. مع ذلك استمر فيها دعاتها الذين لا أشك في أنهم توقعوا لها نهاية كهذه. استمروا فيها رغم ان الظرف لم يكن ملائما فالرئيس الذي لم يمض على انتخابه وقت كاف ليوضع موضع المحاسبة، قام في وقت قياسي بتنفيذ مطلب بذلت في سبيله تظاهرات مليونية عدة. لقد أطاح في ضربة صاعقة وقرار مفاجئ بالمجلس العسكري وألغى التشريع المكمل واستعاد هكذا كامل صلاحياته، وتم ذلك في سكوت من المجلس، راعي نظام، الرئيس فيه هو كل شيء، لقد أتت الضربة للمجلس العسكري من بيته ومن نظامه، فلم يجد إزاءها جواباً، وسكت على الضربة واحتملها بصمت. رغم ذلك قامت دعوة للتظاهر ضد هيمنة الاخوان فيما لا يزال الشارع طروباً لقرار الرئيس معجباً بما فيه من جسارة وعزم، لا بد أن الذين لا يوالون الرئيس طربوا لأحكام قراره ولجرأته. لم يكن الظرف مناسباً إلا ان الدعوة حصلت. هل يعني هذا خطأ في الحساب وتسرعاً ومجازفة غير محمودة. لا أظن ذلك فإن تقوم مظاهرة غير ناجحة ليس نهاية الأمر وسبق للإخوان أن دعوا من قبل إلى تظاهرة غير ناجحة. لم تكن التظاهرة خطأ في الحساب ولا أظن ان من دعوا إليها لم يقدروا الظرف ولا أظنهم انتظروا نتيجة أخرى، لقد استعاد الرئيس مرسي بقراراته موقع الرئيس وكان الخطر، كل الخطر، ان يستعيد النظام نفسه. كان الخطر كل الخطر أن يعود مرسي مبارك جديداً، وأن يستعاد نظام الرئيس فيه فرعون صغير. كان الخطر كل الخطر أن ينبهر الشارع بقرارات الرئيس فيسلم له بكل شيء وينزل له عن كل شيء. الجديد في مصر الآن هو حضور الشارع وعليه ان يبقى حاضراً، الجديد هو سلطة الشارع وعليها ان تبقى ماثلة، إذا كان الرئيس مرسي أطاح بالمجلس العسكري فإن من الخطر ان يطيح بالضربة نفسها بانتفاضة الشارع. من الخطر أن يستعاد نظام ليس للشعب فيه سوى مكان صوري. ليس الشعب فيه سوى ما تركبه السلطات وما تخترعه. من الخطر أن يرجع النظام نفسه وأن ينجح في ضربة واحدة في أن يتحرر من المجلس العسكري ومن الشارع. بالطبع سيحاول النظام ان يستعيد هيمنته الثقافية، ان يستعيد سلطانه غير المحدود على الثقافة. هذا هو النظام ومرسي لن يجد للاخوان نظاما أفضل. هذا هو النظام والاخوان طموحون إلى أن يكون لهم بكل ما فيه، لقد رفض الصحافيون المستقلون القرار وأعلنوا ذلك بجسارة. انها معركة لا تزال في أولها. لن تثمر في البدء لكن عليها ان تستمر، إن رفض هيمنة الاخوان هو رفض جديد للنظام، رفض لعودته بكل ما فيه. وهي معركة يجب ان تستمر. لا يزال الكفاح ضد النظام قائماً، انه يحاول برؤوسه العشرة ان يعود، يحاول بأرواحة كلها، ان يعود، ولا بد من النضال ضد هذه العودة. هذا رئيس مدني ولن تكون لعبة النظام معه مموهة وخفية، عليها ان تخرج إلى العلن وأن تكون هياكل السلطة كلها مرئية ومراقبة، فمن العسف أن يذهب الرئيس ولا يذهب النظام. من العسف ان يعود النظام مع رئيس مدني، ستكون هذه المرة دكتاتورية الحزب وهي ليست أرحم من ديكتاتورية العسكر. كان الشارع المصري والنخب المصرية متحسبة، عليها ان تبقى يقظة ساهرة، عليها أن تبقى في الشارع. إذا كانت التظاهرة ضد هيمنة الاخوان باهتة فإنها لن تبقى هكذا، حين يتغير الظرف وتتغير المواجهة. لن يغفل الشارع حين تحل ديكتاتورية محل ديكتاتورية، حين يعود النظام مع الرئيس.