الفنانون يُمثّلون معنى مصر أكثر من الرئيس - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يستحق اللقاء الذي التأَم يوم الخميس من الأسبوع المنصرم بين رئيس الجمهورية محمد مرسي وبين مايةٍ و أربعين فناناً ومثقفاً مصرياً كلَّ الضجّة بل النقاش الذي أثاره قبل انعقاده وبعده ولايزال... فبشكلٍ تلقائي الْتقط الحسُّ السياسيُّ المصريُّ وربما العربيُّ القيمةَ الجوهريةَ لمعنى لقاء "الفئتين" فأوْلاهُ – وينبغي أن يوليه- الأهمية التي يستحق.
إنه أول لقاء بين ممثل القوة الشعبية الكبرى في الوضع المصري وهي "الإخوان المسلمون" ومعهم التيار الديني بكامله وبين رموز النخبة الفنية – الثقافية الأهم في مصر حتى لو غابت عنه بعض الأسماء الأساسية وتَحوّل غيابُها إلى جزء حيوي من النقاش الذي دار داخله وخارجه كغياب الروائييّن جمال الغيطاني ويوسف القعيّد والفنّانات سميرة أحمد وإلهام شاهين ومنى زكي والأخيرتان هما نجمتان سينمائيتان بين الأجرأ والأكثر ليبرالية اجتماعية في الوسط السينمائي المصري الحالي، حتى أن إلهام شاهين التي تعرّضت إلى هجوم من شيخ سلفيٍّ معروف اتّهمها بـ"الفجور" حصلتْ على دعمٍ من عدد من رجال الدين المنظورين في "الأزهر" أدانوا الحملة عليها.
صحيح أنه لقاءٌ بين الشخص المنتَخَب إلى أعلى وأقوى منصب في الدولة المصرية وبين مجموعة مشاهير خارج السلطة السياسية وغير منتخَبين، لكن في العمق من حيث دلالة "اللحظة" الراهنة في مصر والمنطقة فإن هؤلاء المشاهير يمثّلون "مَعْنى" مصر أكثر بكثير مما يمثله الرئيس محمد مرسي.
إنه المعنى الجوهري الذي صنع مصر الحديثة في علاقتها مع نفسها وفي علاقتها مع المحيط والعالم. معنى الثقافة الليبرالية في كل نواحي الحياة العامة: السلوك الاجتماعي، الإبداع الفكري والفني، النضال لأجل "الحريات الأربع" كما سمّتها مؤخرا وثيقة الأزهر الصادرة بعد الثورة وهي: حرية العقيدة – حرية الرأي والتعبير- حرية البحث العلمي- حرية الإبداع الفني والأدبي.
تحتلّ صناعة السينما المصرية وبيئتُها بعد صعود المد الإسلامي دورا مشابهاً للدور الذي لِـ"هوليوود" في الثقافة الليبرالية الأميركية. فهي بحكم التكوين بالأساس، ثم بحكم تحديات ضغط "الرقابة" المحافِظة تجد نفسها منذ فترة طويلة "مسيّسةً" رغماً عنها من حيث موقعها ضد الفكر الأصولي السياسي والاجتماعي. ومع أن هوليوود لم تُوْصِل منها إلى السلطة في البيت الأبيض سوى أحد أكثر الرؤساء محافظةً في التاريخ الأميركي وهو الرئيس رونالد ريغان، لكنْ من الثوابت التي لا تتزعزع في الحياة العامة الأميركية أن هوليوود هي أحد المعاقل الكبرى للثقافة الليبرالية ومواقفها من القضايا الخلافية الرئيسية في المجتمع الأميركي: الموقف ضد الحروب الخارجية (عموما وليس دائما) وأشهرها حرب فييتنام، الإجهاض، العنصرية وخصوصا ضد السود، الأقليات، العداء للسامية، الحريات الجنسية إلخ...
لكن مصر هي مصر و أميركا هي أميركا.
وفي زمن وصول التيارات الأصولية إلى السلطة فإن المواجهة التي يخوضها الوسط الثقافي والوسط الفني المصريّان تستمد أهمية أكبر من أي وقت سابق في التاريخ المصري والعربي الحديث بسبب ضعف الأحز اب السياسية غير الدينية أوالعلمانية يمينا ويساراً مما يضع هذه البيئة ومعها في القلب من المعركة الوسط الإعلامي حيث لا يتمتًع الدينيون الأصوليون تقليديا بحضور جدي... يضعها في موقع أمامي إن لم يكن الأمامي في الدفاع عن الحريات الاجتماعية والثقافية ضد التعصّب الديني. مع العلم أن إحدى الظواهر الكبرى المرافقة لولادة وانتشار الحركات الإسلامية الأصولية هي أنها لم تُنتِج مبدعين من الصفوف الأولى في حقول الأدب والفنون (مسرح، شعر، رسم، رواية، سينما) في كل تاريخها لا في مصر ولا في العالم العربي ولا حتى في العالم المسلم منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين عام 1928. وحتى السينما الإيرانية التي هي ظاهرة إبداعية فريدة في العالم الثالث وتحظى باحترام أوروبي وأميركي فمع أنها تألّقت من داخل إيران ما بعد الثورة الإسلامية – وهذه إحدى المفارقات التي ينبغي الاعتراف بها- إلا أنها تحوّلت أيضا إلى بيئة انشقاق ليبراليّ النزوع بحكم ما يبدو أنه الإصطدام الذي لا يمكن تلافيه بين "خطّين": الإبداع عندما يصل مداه الأبعدمن جهة، والسلطة من جهة أخرى.
كل هذا لا يعني أن اللقاء بين الرئيس مرسي والفنانين والمثقفين المصريين لم يكن ناجحاً! (حضور الفنانين طغى عدديا على حضور الكُتّاب). بالعكس بدا كلام الرئيس مطَمئناً فعلا وودوداً خصوصا حين شدّد على أن "مصر هي اليوم دولة مدنية بكل ما تعنيه الكلمة". ولكنْ ما كان أكثر عمقا في اللقاء هو أن رئيس الجمهورية كان يبذل مجهودا لإسترضاء المشاهير المجتمعين معه كأنما هُمُ من كانوا يمثلون سلطة التقييم في "امتحان نوايا" كان الرئيس الجديد يقدّمه أمامهم بمعزل عن المسافة البروتوكولية المحترمة طبعاً. ومع أن أحد الحاضرين وصف اللقاء بأنه "أقل صراحةً" بل "أقل مواجهة" من قِبَلِ الفنانين مما كان يحدث في لقاءات مماثلة مع الرئيس حسني مبارك!! فليس تفسيرُ ذلك قطعا "خوفَ" ضيوفِ الرئيس لأن البعض كان حتى قاسيا. إذْ عندما قال مرسي أن الفنانة شاهين دُعِيت ولم تَحضر ردّ الفنان جلال الشرقاوي بأنها لم تُدعَ كأنما كان يُكذّبه.(لاحقا أكّد البعض أنها فعلاً دُعيت؟).
أريد أن أفصل هنا بين التاريخ الشخصي للفنان وبين الموقع العام للبيئة الفنية. فمنذ نشوء الدولة المصرية الحديثة ولاسيما بعد الإنقلاب العسكري عام 1952 وُلد جيلٌ من الفنّانين والكُتّاب هو إبن المرحلة الدولتية الجديدة وجزء من مشاريعها الثقافية والفنية وعلى تناقض مهنيٍّ معها حينا وسياسيٍّ حينا آخر. وحتى في عهد حسني مبارك المديد كم سيكون سخيفاً تقييمُ تجاربَ في المسرح والسينما، تشدّني منها تجربة عادل إمام العملاقة، بمجرد الصلة برئيس الدولة السابق. بينما مساهمات عادل إمام مَنَحَتْنا في كل العالم العربي سجلا حافلا من الأعمال الإبداعية التي تجعل منه - برأيي المتواضع- أهمَّ سينمائي عربي لأنه جمع في الكثير من أفلامه قوّةَ العمل النخبوي النفّاذ والملتزم والتغييري والقدرةَ على توصيله لأوسع جمهور (ألا نتذكّر هنا الراحل نجيب محفوظ الذي "اختُصِر" فترةً بموقفه من معاهدة كمب ديفيد).
هؤلاء الفنانون والمثقفون كانوا زعماء رأي حقيقيين في الاجتماع مع الرئيس مرسي حتى لو بقي بعضُهم صامتاً فيه. إنهم تلقائياً "اللوبي" السياسي الليبرالي الأقوى في زمن هُزال العلمانيين الديموقراطيين العرب مع استثناءات بينها تونس. إنما مع ذلك فالعلمانيون التونسيّون هم في موقع الدفاع الضاري ضد الهجوم الأكثر ضراوة.
من يدري... هل سيأتي من الوسَط الفني ذاتَ يومٍ – على الطريقة الأميركية- رئيسٌ منتخَبٌ للدولة؟ … في بلدٍ هو مصر لا زال في العام وثمانية أشهر التي مضت على ثورته يستحصل على إعجاب حقيقي بمدى رسوخ الثقافة السلمية لدى شعبه ونخبه، الثقافة السلمية العميقة التي يُحقّق عِبرها التغيير رغم أعداد الفقراء الملايينيّة...