Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

النفخ في رماد الحرب العالمية الثانية في شرق آسيا - خيرالله خيرالله (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت أوروبة الغربية تستقطب جل الاهتمام الأميركي العسكري والسياسي والاقتصادي. لقد تغير هذا الأمر الآن. انتقل الاهتمام كما أعلن الرئيس باراك أوباما نفسه الى شرق آسيا. حتى القوة العسكرية البحرية الأميركية انتقلت في معظمها من المحيط الأطلسي الى المحيط الهادي.
فماذا وراء هذا التحول؟
تشهد منطقة شرق آسيا اضطرابات سياسية قد تنفجر عسكرياً في أي وقت. هناك الخلاف الياباني مع كوريا الجنوبية حول السيادة على عدد من الجزر الصخرية التي تقع بين الدولتين وخاصة جزيرة "داكدو" كما يسميها الكوريون أو جزيرة "ناكيشيما" كما يسميها اليابانيون. وهناك الخلاف بين الصين من جهة وكل من فيتنام والفلبين وماليزيا وتايلند وبروناي حول مجموعة أخرى من الجزر الصخرية في بحر الصين الجنوبي تعرف باسم "سبراتلي"، وتدّعي السيادة عليها كل من هذه الدول. ومن المعروف ان هذه الجزر غير مأهولة. وهي أصلاً غير صالحة للعيش، حتى للصيادين. ولكن الجرف القاري التابع لهذه الجزر غني بالنفط والغاز. وهذا سر الصراع الذي بدأ يتفجر والذي يخشى أن يطيح منظمة "آسيان" التي مر على انشائها 45 عاماً. وتضم هذه المنظمة الى جانب الصين واندونيسيا وسنغافورة، كلا من كمبوديا ولاوس ومانيمار وهي تؤيد الصين في موقفها من الجزر، اضافة الى فيتنام والفلبين وماليزيا وتايلند وبروناي التي تعارضها.
لقد كان من المقرر أن تعلن مجموعة دول اسيان بعد ثلاث سنوات اتحاداً اقتصادياً على غرار الاتحاد الأوروبي. ولكن يبدو ان هذا الأمل قد تبدد أو هو في طريقه الى أن يصبح حلم ليلة صيف!!.
فالفلبين طردت سفير كمبوديا لأنه اتهم حكومة مانيلا بأنها تمارس "سياسة قذرة" على حد قوله، من خلال طرح قضية الجزر امام اجتماع وزراء خارجية دول منظمة اسيان. وقد شمل الاتهام كمبوديا أيضاً التي قدمت احتجاجاً على تصريحات السفير الكمبودي الى حكومته. وقد أدى ذلك الى فشل إصدار البيان المشترك عن اجتماع وزراء خارجية دول المنظمة الذي عقد في العاصمة الكمبودية "بنوم بنه"، وهي المرة الأولى التي يتعذر فيها إصدار بيان بعد اجتماع للمنظمة على هذا المستوى العالي. وفي ضوء هذا التوتر فان القمة المقبلة المقرر عقدها للمجموعة في شهر تشرين الثاني المقبل، قد لا تعقد. واذا عقدت فقد تعرّض المنظمة الى الانفجار.
من هنا السؤال: هل كانت الولايات المتحدة تخطط لذلك؟. وهل كانت تدفع الأمور في هذا الاتجاه؟. واي مصلحة لها في ذلك؟.
تعرف الولايات المتحدة ان كمبوديا ولاوس تعتمدان اعتماداً أساسياً على الاستثمارات الصينية وان اقتصادهما يتوقف على هذه الاستثمارات. حتى ماينمار التي تعرض فيها المسلمون المتحدرون من أصول بنغالية الى جرائم ضد الانسانية، لا تستطيع أن تعيش من دون المساعدات الصينية.
وفي الوقت ذاته، تعرف الصين ان الفلبين تستنجد بالولايات المتحدة وتستقوي بها، وانها مرتبطة معها بمعاهدة عسكرية دفاعية. كما تعرف ان فيتنام التي خاضت حرب تحرير دامية وطويلة ضد الولايات المتحدة، تتحالف معها في الوقت الحاضر وتقدم لها تسهيلات عسكرية واسعة. وتعرف الصين كذلك ان تايلند وبروناي وماليزيا وحتى سنغافورة ليست بعيدة من الولايات المتحدة وليست خارج مظلتها الأمنية.
الا ان هذه المظلة تحتاج الى تعزيز الثقة بها. ومن هنا كان التحول الأميركي من الأطلسي الى الهادي ومن أوروبة الى آسيا.
وتواجه الولايات المتحدة تحديين أساسيين في هذه المنطقة من العالم. التحدي الأول هو الصراع بين حليفين لها يعتمدان على قواتها العسكرية اعتماداً أساسياً هما اليابان وكوريا الجنوبية. فاليابان تواجه صراعاً مع روسيا حول السيادة على الجزر اليابانية التي احتلتها موسكو في أواخر الحرب العالمية الثانية واعلنتها جزءاً من الاتحاد السوفياتي. وهي تواجه صراعاً آخر مع كوريا الجنوبية حول السيادة على جزر تدّعي كل منهما السيادة عليها. واذا كانت روسيا قد احتلت الجزر اليابانية قبل استسلام اليابان، فان ذلك لا يعطيها حق السيادة عليها بعد انتهاء الحرب. كذلك فان اليابان التي احتلت جزيرة دوكدو أثناء احتلالها لكوريا الجنوبية، فان هذا الاحتلال مطعون في شرعيته بعد انتهاء الحرب وبعد هزيمة اليابان واستسلامها. وقد تعمدت معاهدة السلام التي وقّعت في سان فرنسيسكو بالولايات المتحدة في عام 1951 عدم الاشارة الى موضوع الجزر خوفاً من أن تؤول السيادة عليها الى كوريا الشمالية التي كانت في ذلك الوقت تخوض حرباً ضد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية معاً.
واذا كانت روسيا اليوم تشكل منافساً لدوداً للولايات المتحدة مما يفترض وقوف واشنطن الى جانب اليابان، فان كوريا الجنوبية تشكل حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة (منذ حرب الخمسينات من القرن الماضي) وهي تعتمد عليها في مواجهة طموحات كوريا الشمالية عدو كوريا الجنوبية واليابان معاً. ولذلك فان الولايات المتحدة لا تستطيع ان تكون ضد كوريا الجنوبية في صراعها مع اليابان، كما لا تستطيع أن تكون حليفاً لليابان في صراعها مع روسيا، وخصماً لها في صراعها في كوريا في الوقت ذاته.
أما التحدي الثاني الذي تواجهه الولايات المتحدة فهو الصراع بين اليابان والصين على مجموعة جزر صخرية تعرف باسم جزر "سينكاكوس" حسب التسمية اليابانية، أو جزر "دياويو" حسب التسمية الصينية. وقد تضافرت جهود صينيي هونغ كونع وتايوان وماكاو مع بكين في مطالبة اليابان بالانسحاب من هذه الجزر "المحتلة"، والتي تعتبرها اليابان جزءاً من ترابها الوطني.
وهكذا تبدو اليابان التي تتهم روسيا عن حق باحتلال جزرها الشمالية، متهمة هي أيضاً باحتلال جزر تابعة للصين وكوريا الجنوبية.
فصراع حليفيْ الولايات المتحدة (اليابان وكوريا الجنوبية) يضفي على المشهد في شرق آسيا بعداً إضافياً من التعقيدات التي تشكل في مجموعها احراجاً وتحدياً للسياسة الأميركية الجديدة في المنطقة.
ففي اساس المشهد المعقد انه لا الاتحاد الروسي ولا كوريا الجنوبية توافق على طرح الخلاف مع اليابان أمام المحكمة الدولية. كذلك لا توافق الصين على طرح خلافها مع بقية دول شرق آسيا على هذه المحكمة. فكل من روسيا واليابان والصين تعتبران حقوقها في الجزر هي حقوق سيادية ثابتة لا تحتاج الى حكم يصدر عن اي جهة دولية، وأن مجرد القبول بمبدأ اللجوء الى التحكيم يعني التشكيك في السيادة. وهو ما تقول به ايران أيضاً رداً على مطالب دولة الامارات العربية المتحدة باللجوء الى المحكمة الدولية لتقرير السيادة على الجزر العربية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي احتلتها ايران الشاه محمد رضا بهلوي فور الانسحاب البريطاني من الخليج العربي في عام 1972.
ولا تقتصر الصراعات على الجزر الصغيرة والمتناثرة على دول شرق آسيا وحدها. فهناك صراع من هذا النوع أيضاً بين كولومبيا ونيكاراغوا حول السيادة على جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي. وهناك صراع بين الهند وبنغلادش أيضاً حول منطقة في خليج البنغال ثبت أنها غنية بالنفط. وتقف بريطانيا عندما كانت قوة استعمارية كبرى، وراء هذا الصراع، فيما تقف الولايات المتحدة وراء الصراع الأول عندما كانت تحتل نيكاراغوا في عام 1928.
أما عربياً، فهناك الخلاف بين قطر والبحرين "حول شفت الدبل". وتنظر المحكمة الدولية لاهاي كل هذه الصراعات، باستثناء تلك المتفجرة الآن في شرق آسيا.
وأيا يكن من أمر، فان نظام المحكمة الدولية ينص على أن المحكمة لا تنظر في أي خلاف حول السيادة على اي منطقة متنازع عليها الا اذا وافق طرفا النزاع على اللجوء الى المحكمة. أي ان المحكمة لا تقبل ادعاء من طرف واحد مهما كانت صحة الادعاء قوية، تاريخياً وحقوقياً.
وفي الواقع، كان أكثر من نصف الحدود البحرية بين الدول غير مرسوم وغير محدد. كانت هذه الحدود تُرسم على قاعدة "مرمى قذيفة مدفعية" من الشاطئ. غير ان الأمم المتحدة وضعت قانوناً للبحار في عام 1982 ؛ وبموجب هذا القانون تعتبر المنطقة الممتدة من شاطئ الدولة حتى عمق 22 كيلومتر (12 ميلا) منطقة خاضعة لسيادتها، ولكن هذه السيادة تتوقف أمام حرية الملاحة البحرية الدولية.
تلي هذه المنطقة، منطقة أخرى تمتد حتى 200 ميل يحق فيها للدولة استثمار ثروتها الطبيعية. وهنا يحدث تداخل بين حدود الدول المتشاطئة مما يؤدي الى صراعات من نوع آخر على النحو الذي يشهده اليوم لبنان مع اسرائيل. فالثروة من الغاز المكتشَف في شرق المتوسط فتحت ملف الصراع على الحدود البحرية على نطاق واسع.
لقد أعادت كوريا الجنوبية فتح ملف الحرب العالمية الثانية من جديد عندما سحبت الدعوة التي كانت وجهتها الى الامبراطور اكهيتو لزيارتها بحجة انه لم يعتذر عن اغتصاب جنود يابانيين أثناء الحرب لنساء كوريات واستخدامهن بالقوة للترفيه الجنسي. غير انه عندما وجهت كوريا الدعوة الى الامبراطور أرفقتها باعلان الرغبة في أن تؤدي الزيارة الى طي صفحة الماضي الأليم وفتح صفحة جديدة من الاحترام والتعاون المتبادلين. فما الذي تغير؟ هل كانت الولايات المتحدة وراء ذلك ايضاً حتى تكون الخصم والحكم في الوقت ذاته؟..
ان الولايات المتحدة مدعوة الآن الى ان تلعب دور الوسيط بين اليابان وكل من روسيا والصين وكوريا الجنوبية. كما انها مدعوة لأن تلعب دور الوسيط بين الصين وبقية دول منظمة اسيان (الفلبين وماليزيا وتايلند وبروناي وكمبوديا ولاوس وماينمار وسنغافورة)
وأمام هذه المتغيرات التي بدأت تعصف بشرق آسيا، يقف العالم العربي الذي تربطه مصالح مالية وتجارية وسياسية واسعة النطاق مع دول هذه المنطقة متفرجاً عاجزاً عن أي مبادرة. ورغم ان بعض دول منظمة اسيان اعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي، مثل اندونيسيا وماليزيا وبروناي، فان هذه التطورات الخطيرة غير مطروحة أمام المنظمة. ويبدو ان الأمر متروك لقضاء وقدر اللاعب الأميركي وحده!!.

← Back to Selected Articles