Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

النفط والغاز في شرق المتوسط: فرص وتحديات أمام لبنان - نقولا سركيس (الحياة)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

لعلّ أقلّ ما يمكن قوله، وفق الإحصاءات، إن من غير المنطقي بتاتاً أن يكون لبنان البلد الوحيد في الشرق الأوسط، وأحد البلدان النادرة في العالم، التي لا تملك برميل نفط واحداً أو متراً مكعباً واحداً من احتياط الغاز الطبيعي المثبت. ومن غير المنطقي أيضاً ألا يمتلك لبنان، منذ أكثر من 20 سنة، أي قدرة تكريرية وأن يكون مضطراً لاستيراد مجمل حاجاته من المنتجات النفطية، ناهيك عما يشهده من عجز كبير في القطاع الكهربائي على رغم وفرة موارده المائية، ومن تأخر في تطوير مصادر الطاقة المتجددة، ومنها الطاقتان الشمسية والهوائية.

في المقابل، من الطبيعي جداً أن يكون هذا الوضع السيئ نتيجة منطقية لغياب سياسة متناسقة في قطاع الطاقة على مدى عقود. أما بالنسبة إلى الهيدروكربونات، فإذا كان اسم لبنان مقروناً بالصفر في الإحصاءات العالمية المتعلقة باحتياطات النفط والغاز، فليس لأن باطن أرضه يخلو منها، بل لأن أعمال التنقيب الضرورية لاستكشافها لم تتم، بكل بساطة. ولم تتجاوز نوايا المباشرة بحملات الجيوفيزياء والحفر عموماً، التي أعلن عنها بين الحين والآخر، مجرد الكلام أو الإيماء المرتجل أو المفروض، في أفضل الحالات، لاعتبارات انتخابية أو غيره، بعيدة كل البعد من المشكلة الحقيقية.

بالتالي، فوجئ لبنان، الذي لم يكن قد استعد لذلك، بالاكتشاف الحديث لاحتياطٍ ضخم محتمل من الغاز الطبيعي والنفط تحت مياه بلدان شرق المتوسط، تماماً مثل غيره من الدول، ما وضعه في وجه آمال وتحديات ضخمة. وتعطي النزاعات، التي سرعان ما برزت بين لبنان وإسرائيل، أو بين تركيا وقبرص، حول ترسيم حدود المياه الإقليمية ومناطق الحظر الاقتصادي الخاصة بكل دولة، فكرة مسبقة عن جولة شد الحبال الكبيرة التي انطلقت فجأةً حول الكنز الكبير المكتشف.

ويُذكر أن غايات الدولة العبرية وتهديداتها في هذا الخصوص كانت قد طاولت الفلسطينيين، قبل لبنان أو تركيا.

وعلى عكس ما يُشاع في غالبية الأحيان هنا وهناك، فإن آبار الغاز الأولى المكتشفة في هذه المنطقة لم تكن في حقلَي تامار وليفياثان قبالة الساحل الإسرائيلي، بل اكتُشفت منذ 15 سنة تقريباً قبالة سواحل مصر ودلتا النيل. ثم تلاها عام 2000 اكتشاف حقلَي «غزة البحري 1» و «غزة البحري 2» قبالة سواحل غزة، وذلك في إطار اتفاق أُبرم في تشرين الثاني (نوفمبر) 1999 بين شركة «بريتش غاز» البريطانية («بي جي»، 60 في المئة)، والسلطة الفلسطينية (10 في المئة)، وشركة «المقاولون المتحدون العالمية» اللبنانية - الفلسطينية (30 في المئة)، التي تتخذ من أثينا مقراً. وقد شمل أيضاً الاتفاق الثلاثي نفسه مد خط أنابيب بحري يرمي إلى إيصال الغاز المستكشف إلى اليونان.

ويقدر خبراء احتياط الغاز في المنطقة، والذي تعود ملكية جزء كبير منه إلى لبنان، بألف بليون متر مكعب، أي ما ينتجه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال سنة ونصف السنة. وتمثل هذه الأرقام أكثر من ضعف احتياطات الجزائر المثبتة تقريباً. لكن، لا بد من الإشارة إلى أن التقديرات الخاصة ببلدان شرق المتوسط تتعلق في الدرجة الأولى بالاحتياطات المحتملة والقابلة للاسترداد، وأن أعمال الاستكشاف في المتوسط ما زالت في بداياتها وليس من المستبعد على الإطلاق أن تؤدي عمليات حفر جديدة إلى اكتشافات أهم من تلك التي أظهرتها المسوحات الزلزالية وعمليات الحفر، الخجولة حتى الآن، خلال السنوات الأخيرة.

وعلى أي حال، تدفع الحقول المكتشفة إلى التفكير في أن الدول المشاطئة تقف على أعتاب عهد جديد في مجال الطاقة. أما على الصعيد الدولي، فتربك الاكتشافات الجديدة في المتوسط إلى حد بعيد الوضع السائد وآفاق الطاقة في المنطقة والعالم، في وقت تتآكل حصة النفط من استهلاك الطاقة العالمي لمصلحة الغاز الطبيعي في الدرجة الأولى، الذي لم تتعدَّ نسبته 15 في المئة من تغطية حاجات العالم من موارد الطاقة منذ 40 سنة، لتصبح 23.8 في 2011 وتتراوح بيـــن 25 و26 في المئة ربما بعد 15 سنة.

ويُذكر في هذا الإطار أن الغاز الطبيعي يبقى، من بين كل موارد الطاقة الأحفورية، الأفضل لمكافحة الاحتباس الحراري. إلا أن ذلك لا يشكل على الإطلاق سبباً كي ينسى لبنان أولوياته ويسارع إلى إبرام عقود قد يندم عليها مستقبلاً. فالمهم الآن التفكير ملياً ومباشرة العمل على نحو منهجي وعلى مراحل، بسرعة وتأنٍّ!

لا شكّ في أن الاكتشافات الأخيرة تجسد بالنسبة إلى لبنان، مناسبة ذهبية وفرصة تاريخية، لتغطية حاجاته في مجال الطاقة، والارتقاء بنظامه الاقتصادي، وتسديد ديونه الضخمة، وربما التحول إلى دولة مصدرة للنفط والغاز الطبيعي.

وللبدء بأكثر الأمور إلحاحاً، يكفي أن نلقي نظرة على الخط الذي تخيله هذا الاتفاق من أجل ترسيم حدود المياه الإقليمية التي تطالب بها إسرائيل من دون أي استشارة وبالتأكيد من دون توقيع اتفاق مع لبنان.

على صعيد آخر، على لبنان أن يكون في حالة تيقظ دائم، لإحباط مساعي إسرائيل ومناوراتها، وتجنب تجربة الفلسطينيين المريرة في ما يتعلق باكتشاف حقول الغاز قبالة سواحل غزة. أضف إلى ذلك، أن على لبنان تشكيل هيئة لتحديد الخطوط العريضة لسياسة البلاد في مجال الطاقة والسهر على تطبيقها، على أن تضم الوزراء المعنيين وشخصيات تملك الخبرة والكفاءة المطلوبتين في هذا المجال. لا يخفى على أحد أن لبنان لا يخلو من قدرات يمكنها المساهمة في مواجهة التحدي الكبير الذي يتمثل في الاستفادة من الكنز الضخم المُخزن قبالة شواطئه.


 

← Back to Selected Articles