Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

في مسألة العدالة والمصالحة - سعود المولى (الجمهورية)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

لقد حان الوقت كي يمسك اللبنانيّون بمصيرهم الوطني، بأن يضعوا حدّاً لتلك الدورة الجهنّمية من العنف والقتل، فيستعيدوا القدرة على نسج العلاقات الطيّبة في ما بينهم ومع العالم. والحال أنّ العدالة هي وسيلتهم الوحيدة لوضع حدّ نهائي لحروبهم، ومن أجل إعادة الاعتبار إلى القانون الذي عليه يتأسّس عيشهم المشترك

عام 1989 إختار اللبنانيون أن يعيدوا تأسيس سلمهم الأهليّ على قانون للعفو وليس على فعل العدالة. غير أنّ هذا القانون لم يفلح – بمعزلٍ عن تطبيقه الكيفيّ الإستنسابيّ – في طيّ صفحة الماضي الذي استمرّ يُلقي بثقله على حاضر اللبنانيين، مقيِّداً قدرتهم على معانقة المستقبل. وكي يتمكّن فعل العدالة من طيّ صفحة الماضي بصورة نهائية ثمّة شروط ينبغي توفُّرها:

• ينبغي أوّلاً الامتناع عن استخدام العدالة ضدّ أيّ جماعة أهلية أو فريق سياسي. فحكم العدالة إنّما يستهدف أفراداً لا جماعات طائفية ينتمون إليها، فضلاً عن أنّه ليس في لبنان "طوائف بريئة" وأخرى "مذنبة". ولقد حان الوقت كي نضع حدّاً لسياسة الاختزال المقيتة: إختزال هذه الطائفة أو تلك في أحزاب أو شخصيات سياسية تدّعي تمثيلها الحصري؛ وهي سياسةٌ وقفت وراء معظم مشكلاتنا، لأنّها تحمّل المواطنين المسؤولية عن قرارات سياسية يتّخذها آخرون باسمهم وحتى من دون استشارتهم.

• من الضروري أخيراً أن يبادر اللبنانيّون إلى إجراء مصالحة فيما بينهم ومع الآخرين، مصالحة لا تستبق العدالة ولا تلغي أحكامها. هذه المصالحة لا يمكن أن تتم إلّا على أساس الإعتراف بمسؤوليتهم المشتركة عن الحروب التي دمّرت بلدهم. إذ إنّ كلّ فريق منهم احتكم إلى السلاح، في مرحلة من المراحل، لحلّ خلافه مع الفريق الآخر، أو بدعوى الدفاع عن الذات، كما إستعان بقوى خارجية لتلك الغاية، مضحّياً باستقلال الوطن وسيادته.

• هذا الاعتراف بالمسؤولية المشتركة أمرٌ في غاية الأهمّية. فهو من طبيعة أخلاقية وسياسية. لم يكن إغتيال رفيق الحريري الجريمة السياسية الوحيدة في تاريخ لبنان، ولكنّه كان الجريمة الأولى بعد الحرب التي وضعت في يد عدالة مقتدرة وشفّافة. وإذا كنّا لا نستطيع إجراء حكم العدالة في الجرائم السابقة، فمن الضروري الإقرار بمسؤوليتنا الأخلاقية المشتركة عن تلك الجرائم. هذا الاعتراف الذي من شأنه إعادة الاعتبار إلى نظام قيمنا، يتيح لنا إعادة تأسيس عيشنا المشترك على قواعد جديدة.

• ينبغي للمصالحة بين اللبنانيّين أن تعبّر عن نفسها أيضاً بنظرةٍ جديدة إلى علاقتهم بمحيطهم الإقليمي. فبدلاً من استدعاء الخارج للتدخّل في نزاعاتهم الداخلية، فإنّ مصالحتهم تساهم في تغيير نظرة المحيط الإقليمي إلى لبنان، بما يعزّز استقرارهم الداخلي وبما يتيح للبنان أن يلعب دوراً مرموقاً في بناء مَشرقٍ عربيّ جديد، محرّر من عبوديات القرن الماضي وصراعاته التناحرية، ومن عنفٍ يسكن حاضره، مَشرقٍ عربيّ قادر على استعادة دوره الريادي الذي لعبه أبّان عصر النهضة، قادرٍ على تحرير فكرة العروبة من أيّ محتوى يوظّفها في خدمة دين أو دولة أو حزب، عروبة حضاريّة تتّسع لمفاهيم التنوّع والتعدّد والانفتاح على الثقافات الأخرى، وتحتضن قيم الديموقراطية والتسامح واحترام حقوق الإنسان، عروبة تعطي الأولوية لحلّ عادل ودائم للقضية الفلسطينية، الأمر الذي يمثّل شرطاً ضروريّاً لإنهاء مواجهة صدامية بين العالم العربي والغرب استمرّت عقوداً طويلة.

• إنّ عروبة لبنان لا تخرج، ولا يمكن أن تخرج، عمّا جرى على العروبة، من حيث هي عنوان حضاريّ يجمع، لا شعار سياسيّ يفرّق - ما جرى عليها، خلال العقود الماضية، من استئناف نظر في مفرداتها، ومن إعادة تعريف لآفاقها؛ ولعلّ أنضج تعبير، ليومنا هذا، عن تلك المراجعات لمفهوم العروبة هو أنّ العروبة ليست مفهوماً عرقيّاً عنصريّاً، بل هي هوية ثقافية موحِدة تمارس اللغةُ العربيةُ دورَ المعبّر عنها والحافظِ لتراثها. وهي إطارٌ حضاريّ مشترك قائم على القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية.

ومن نافل القول أيضاً إنّ عروبة لبنان لا يمكن أن تقوم إلّا على ثقافة الاعتدال والتسامح والحوار والانفتاح، وعلى رفض كلّ أشكال الإرهاب والغلوّ والتطرّف وكلّ التوجّهات العنصرية الإقصائية.

• إنّ لبنان، بحكم التاريخ والجغرافيا، وبإرادة التزامه بموجبات التضامن العربي وبمبادئ الحق الإنساني، كان ولا يزال في صميم الصراع العربي - الإسرائيلي. بيدَ أنّ مكانه هذا ينبغي له ألّا يرتّب عليه ما يزيد على المقدار المنصف من التزامه في إطار التكليف العربي: له ما للعرب وعليه ما عليهم ضمن رؤية عربية واحدة.

وقد وقف لبنان، وهو يقف اليوم، مع شعب فلسطين وسلطته الوطنية، في ما تختاره من سياسات، مؤدّاها التوصّل إلى إقامة دولة حرّة سيّدة قابلة للحياة وعاصمتها القدس، مع التمسّك بإزالة المستوطنات وجدار الفصل العنصري، وبحقّ العودة وفق القرار الدولي 194.

ومن ثم فإنّ نصيب لبنان من مكابدة ذلك النزاع، ومعالجته، محكومٌ، خصوصاً بعد الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، وبعد القرار 1701، بأن يكال بمكيال الاستراتيجية العربية الموحّدة التي تبلورت في مبادرة السلام العربية التي أُعلن عنها خلال قمّةِ بيروت 2002.

← Back to Selected Articles