Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

"بحثاً عن الزمن الضائع" - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

طبعاً العنوان الحميم أعلاه هو لمارسيل بروست، سيد الأشياء الصغيرة التي تشكل فحوى الحياة. يقترضه الناس في مراحل التحسر الفردي واليأس الجماعي، كما يقترضون من كتب الأمثال وذخائر المتنبي عندما يعجزون عن الجمع بين عبارة الخطاب وفداحة الأمر.
كانت الأمم المتحدة تبعد عني نحو 10 دقائق، يوم الخميس الماضي. شمس باردة، وحرارة مقبولة لشتاء نيويورك. مع ذلك تخاملت عن قطع الشوارع القليلة نحو الجادة الأولى. قضيت في أروقة هذا المبنى الأزرق دورات كثيرة، أصلها متحمساً في الضحى وأغادرها متعباً في المساء. فلماذا التخلف اليوم؟ هل هي خبوة العمر أم توقّع الحدث؟ كالعادة ملأني شعور بالذنب. ألم تكن مناسبة، على الأقل، للسلام على الرئيس محمود عباس؟
لم نكن نأتي الى الأمم المتحدة فقط كصحافيين. كان كل منا يأتي وهو أيضاً ينتظر شيئاً ما. شيئاً عربياً ما. ففيما كان اليأس على الجبهات مألوفاً، كان للعرب في هذا المجمَّع المُبهر، أصدقاء وكتل ووثائق ولغة مليئة بالكلمات النبيلة وبأحرف العطف، التي تتولى تكديس الحجج والثوابت والحق. دعك من أن فلسطين قضية عربية، فهذا أوهن وأهون ما فيها، لكنها قضية إنسانية لا مثيل لها في مسائل العالم أو مظالم الأرض. ولعل من أسوأ معالم هذا الظلم ألا تجد الولايات المتحدة في معارضتها لعضوية فلسطين سوى تسع دول، تتقدمها ميكرونيزيا، تلك الحليفة الكبرى على المحيط الهادي.
مسخرة هو هذا العالم، بكباره وصغاره. تساءلت، ولماذا أذهب الى الأمم المتحدة؟ هل يكفي احترام أبي مازن أن أعتبر أنه بعد 65 عاماً من قرار التقسيم، هذا نصر عربي؟ من يسخِّف حقوق الشعوب ومشاعر الأمم، هل هو "احتفال" العرب بأن فلسطين، الممزقة فلسطينياً واستيطانياً واستعمارياً، أصبحت دولة "مراقبة" في المنظمة التي عجزت حتى عن سدّ رمقها، أم الدولة الكبرى التي تتطلع على الأطلسي فلا تجد حليفاً لها إلا ميكرونيزيا؟ رجاء، لا تستخف بالجمهورية الاتحادية الميكرونيزية: 110 آلاف مواطن و700 كيلومتر مربع، وفوق هذا وذاك النشيد الوطني: هيا مناضلي ميكرونيزيا. والله، لا مزاح ولا مبالغة: مناضلو ميكرونيزيا.
دائماً كان العالم، وخصوصاً كما يبدو من الأمم المتحدة، ميلودرامياً، كالأفلام الإيطالية. شاهدت هنا أكبر تجمّع للحضور الرسمي والصحافي. كان الجميع يضحكون للخطيب وهو يلمِّح الى القتل والذبح. تعالوا سوحوا عندنا، كان يقول. وكانت القاعة المليئة الى أعاليها تقهقه، بمزيج من الخوف والرعب والمداراة. ذلك كان الفيلد مارشال عيدي أمين.
لكن الأمم ضحكت، أكثر ما ضحكت، من هذه الأمة: يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم، قال المتنبي. اعترفت الدول بفلسطين الدولة – إلا ميكرونيزيا الاتحادية – نادٍ ملتبسة فيه شروط العضوية والانتساب. لماذا فانواتو وليس فلسطين؟ لماذا ظلت تايوان تمثل الشعب الصيني وبكين ممنوعة من الدخول؟ لماذا ليس مليار هندي، بينهم ملايين العلماء والمفكرين والصناعيين والأطباء، لا يستحقون العضوية الدائمة في مجلس الأمن؟ هل لأن الهند أكبر ديموقراطية في العالم، في التاريخ؟ هل لأنها من دون تاريخ استعماري مثل الدول الأربع الكبرى؟ هل لأن غاندي، الناحل، الضئيل الجسم، الضعيف الصوت، شرع في زلزلة قانون الامبراطوريات؟ لا مكان للهند الى جانب الدول الكبرى.
لذلك، لدى عموم العالم مشاعر مزدوجة حيال المبنى الأزرق. يومٌ، إنه ضروري لهذا الكوكب المضطرب، ويومٌ إنه مجرد لازمة، قيمتها في أوائل القصيدة ولا معنى لتكرارها في أواخرها. مؤسسة قائمة على المناداة بالديموقراطية وممارسة أسوأ اختراع ديكتاتوري بعد صنوف التعذيب: الفيتو! فجأة يبدو مجلس الأمن مثل "عائلات المافيا": القوة ليست في بعث الطمأنينة في النفس بل في إرعاب الخصم. وإذ تتقاتل "العائلات" في ما بينها، تسيل دماء الآخرين ويبقى العرابون في حصونهم.
ويوم الجمعة أيضاً لم أشعر بحافز كافٍ للذهاب الى المبنى الأزرق، يتبلّد الصحافيون مع رتابة التفظيع البشري وتكرار العجز الإنساني. كان يخطب اليوم الأخضر الإبرهيمي. فماذا سوف يقول؟ في فيلم "جسر نهر كْواي"، يُرغم السجين ألك غينيس على بناء جسر لأعدائه. ثم ينتابه شعور بالفرح بنجاحه الهندسي، ناسياً أنه يسهّل موت رفاقه. يقاوم الإبرهيمي الوقوع في مثل هذه المحنة. وتصطرع في داخله كل مشاعر الخوف، القومي والإنساني، وهو يكابد في مهمته، التي قد تكون خاتمة الحياة الديبلوماسية الممتدة ستة عقود.
تحدث الدكتور بشار الجعفري، من دون ذلك الحرج في التعابير الذي يسربل سي الأخضر. لكنه لم يستعر هذه المرة من نزار قباني، ليقرأ على 40 ألف ضحية و2,5 مليوني مشرّد و600 ألف لاجئ. لعله تذكّر أن نزار، الذي آثر المنفى على البقاء مكبَّل النفس، لم يعد الى مدينته وبَحراتها الأثيرة إلا تراباً الى تراب. كان الزنوج الأميركيون يغنّون في الجنائز "لقد تحرّر أخيراً. لقد تحرّر أخيراً". ساحراً كان نزار، وأبياً مثل صهيل الخيول. كان آخر تغريدة لبرَدى.
لم أذهب الجمعة أيضاً. تخاملتُ، لا أعرف إن كانت خبوة العمر أم توقّع الحدث الذي لا نهاية له. الخميس تدخل فلسطين هيئة الأمم، وفي اليوم التالي تُعرض في القاعة نفسها قضية ضياع سوريا. والأخضر يحذِّر: من دون تسوية قريبة، سوف تتحول "دولة فاشلة". توقّف دون القول "صومال أخرى" كما فعل من قبل. قيل إن ثورة 1860 في لبنان أشعلها خلاف بين مجموعة من الصبية. لو أن النظام السوري احتضن صبيان درعا، بدل أن يشنّ عليهم وعلى المدينة الحرب والضرب! حاولوا استعادة ما حدث منذ 21 شهراً الى اليوم: من درعا الى كل بقعة في سوريا. أصابع الصبية أحرقت سوريا. لو أن المخابرات أكبر عقلاً وأقل فظاظة.
ماذا قال الأخضر؟ لا شيء. ما أراد أن يقوله، لا يستطيع قوله. أي كلمة عن الحقيقة، ويفقد صفة الوسيط. مهمة الوسيط أن يعضّ على شفتيه ويذوب قلبه. ما أراد بالفعل قوله هو انه لا يزال هناك أمل. ليس بالنظام. ليس بالمعارضة. ليس بالعرب. ليس بمجلس الفيتو، الموقوف هذه المرة في مخفر الكرملين. لم يبق سوى الأمل الذي يرفرف فوق أسرَّة المرضى: الأمل بالله.
يُطرح على الصحافيين عادة سؤال، فيه من الرجاء أكثر مما فيه من التساؤل: كيف تبدو أمورنا من الخارج؟ لا يمكن أن تبدو أفضل مما تبدو في الداخل. إذا تطلعت الى لبنان من بعيد لا يمكن أن ترى فيه ضوءاً في الليل، أو نوراً في النهار. لا يمكن إلا أن تلاحظ أن فلسطين دخلت الأمم المتحدة دولة واحدة، فيما هي في الواقع دولتان. لا يمكن أن تنظر الى مصر إلا أن ترى أن الدولة تنهار في ميادين المدن وأن دولة أخرى تحاول أن تقوم في سيناء. لا يمكن إلا أن ترى أن ليبيا أصبحت سوقاً تصديرية للسلاح، بما فيه الى لبنان. وأن العراق يزداد انشقاقاً. وأن تونس لا تهدأ. وأن كل دولة عربية تخسر كل يوم المليارات في بدد السياسات وعبثيات الجهل والتخلف وقرون العتم. لا يمكن إلا أن ترى هذه الأمة في خيانة دائمة لماضيها، راكعة تبكي على ما فقدت، عاجزة عن استعادة ما أضاعت، غارقة في توسّل الأسطورة والخرافة.
يكاد العالم ينتهي من وضع حقوق الحيوان، فيما لا نزال نناقش حقوق الإنسان. نكتب هذه المفكرة الى جنابكم من مدينة توماس أديسون، الرجل الذي اخترع المصباح الكهربائي. نحن لا نزال على مصباح علاء الدين، ابن الفقير مصطفى الذي مات غماً لأن ابنه رفض تعلّم مهنته، الخياطة. لا تزال كل أمانينا واقفة على فرك مصباح الأخ علاء. ولا تزال شهرزاد تخدّر. ليس السلطان، بل الرعية.
وصلت الكهرباء الى قريتي أواسط القرن الماضي، وانقطعت أوائل هذا القرن. مثلها مثل كل الآمال بكل شيء، أو أي شيء. كرّر الرحابنة في حواراتهم العطرة، الحنين الى "ضو القنديل" وهم يتذكرون قرى أوائل القرن العشرين، الآن القناديل تعمّ مدن القرن الحادي والعشرين. ما أجمل العصور الرومانسية!
أطلّ من نافذتي على مبنى شركة "آبل". بعد توماس أديسون واللمبة والتلغراف والفونوغراف، اخترع الحمصي ستيف جوبس (الجندلي) ما لم يخطر يوماً في خيال شهرزاد أو أحلام علاء الدين. يخترع لوحة ضوئية تعمل باللمس فتفتح ثلاثة أرباع الكون وتعمل بالأنامل لا بفرك اليد مثل مصباح علاء.
نشأت على عصر الفونوغراف وأسطوانة "مالاغينيا" سرعة 78. وأفقنا على النكبة في فلسطين. وفي عزّ الشباب أطلت 67 بلقبها الملطف، النكسة. وفي 1975 مرّت الحرب في لبنان ولا يزال أبطالها – والحمد لله – دائمي العزّ. وكيف تبدو الأمور لكم من الخارج؟ كما تبدو لجنابكم من الداخل: حي الجنادلة في حمص ركام، وإرث ابن الجندلي في نيويورك يشكل أكبر شركة في العالم. تحيات.

 

← Back to Selected Articles