"الأرثوذكسي" يستدعي خلوة مسيحية سياسية لا إنتخابية - شارل جبور (الجمهورية)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا يجوز مقاربة الأرثوذكسي من زاوية انتخابية فقط، لأنّ هذا المشروع يعني تعديلا في النظام السياسي، وهذا التعديل يفترض التمهيد له بتهيئة الرأي العام فكريّا ومن ثمّ عقد مؤتمر مسيحي تأسيسي لصياغة هذا التوجّه الجديد.
فالنقاش هنا في الشكل قبل المضمون، إذ إنّ خلوة "سيّدة البير" الشهيرة التي عُقدت في العام 1977 لم تأتِ من عدم، بل جاءت في لحظة سقوط الدولة وتعطيل الحكم وعزل المناطق المسيحية، والمخاوف من تحويل لبنان إلى دولة فلسطينية بديلة، والأهم أنّ هذه الخلوة عُقدت في أعقاب نشاط فكريّ مكثّف واستثنائي أعاد النظر بكلّ المشروع اللبناني حتى حدوده الجغرافية باعتباره "مساحة روحية" أكثر ممّا هو مساحة جغرافية "لم يكن على مدى تاريخه الحديث ثابت الحدود ولا كان شعبه ثابت التركيب، وطبيعي أن يتبدّل تركيب الشعب اللبناني تبعاً لتبدّل حدوده".
ولكن حتى في عزّ مشهد الحرب الأهلية والهواجس الوجودية والمصيرية نجحت "خلوة سيّدة البير" في تخطّي الطروحات الانفعالية المبرّرة والخروج بالحدّ الأدنى المعروف بالدعوة للإقرار "بتعدّدية المجتمع اللبناني" التي أصبحت لاحقاً من البديهيات السياسية ومهّدت لـ"لبنان الرسالة"، لأنّ إدارة التعدّد والتنوّع هي القيمة المسيحية-الإسلامية المضافة.
فإعادة النظر بالنظام السياسي حقّ لكلّ فئة سياسية، ولكنّ هذا التعديل يستدعي مصارحة اللبنانيين ومكاشفتهم، فضلاً عن مقاربة هذه القضية من الباب السياسي الواسع لا الانتخابي البحت الذي يأتي تطبيقاً وتجسيداً وترجمة للرؤية السياسية الجديدة وليس العكس.
ومن هنا، المأخذ على أصحاب المشروع "الأرثوذكسي" عدم تهيئة الرأي العام لهذا التحوّل السياسي، وعدم تدعيم مشروعهم الانتخابي بالأسباب السياسية الموجبة والمتصلة بنظرتهم للوجود المسيحي حاضراً ومستقبلاً. كما أنّ المآخذ على بعض القوى المعترضة على هذا المشروع ذهابها بالاتجاه التخويني وكأنّها وحدها تملك الحقيقة، وممارسة الإرهاب الفكري متناسيةً أنّ طرفين أقلّه من القوى التي تبنّت "الأرثوذكسي، أي الكتائب والقوّات، لهما آلاف الشهداء على مذبح القضية اللبنانية، وبالتالي النقاش الهادئ والبنّاء هو المطلوب، كون المسألة تتصل بالقناعات والخيارات لا الرهانات والمصالح الآنية.
وإذا كان الهمّ الجامع مصلحة المسيحيّين، فإنّ مصلحتهم تحدَّد من قبل قيادة سياسية يرتاحون إليها وتجمع ما بين أحزابهم وقياداتهم وتقرّر باسمهم، الأمر الذي لا ينطبق على واقع الحال في ظلّ الانقسام العمودي بين أركان المؤيّدين لـ"الأرثوذكسي"، إذ كيف يمكن لمجموعة أن تلتقي مسيحيّا فيما تختلف وطنيّا، كون مؤدّيات هذا التوجّه المسيحي يجب ترجمته على مساحة الوطن؟
لا شكّ في أنّ الهواجس بين مؤيّدي "الأرثوذكسي" والمعترضين عليه مشتركة، ولكن المؤدّيات مختلفة. ومن هنا يجب التفكير جدّيا بعاملين بالحدّ الأدنى: كيفية استعادة المسيحيين ثقتهم بأنفسهم لجهة قدرتهم على اختيار مرشّحيهم وإشعارهم أنّ أصواتهم مؤثّرة في ترجيح كفّة على أخرى، والأهمّ تشجيعهم على البقاء في مناطق انتشارهم كون المسيحيين في هذه المناطق باتوا يشعرون أنّ اقتراعهم غير مُجدٍ وأنّ نوّابهم منتخبون بأصوات غيرهم، ما يخلق لديهم ردّ فعل من طبيعة مزدوجة: الإحباط والاعتكاف عن ممارسة الشأن العام، والأخطر الهجرة الطوعية إلى قلب الجغرافيا المسيحية، الأمر الذي يهدّد العيش المشترك الذي لا يستقيم سوى بالاختلاط المجتمعي اليومي في الأفراح والأتراح والمجالس البلدية والاختيارية وشؤون القرى وهموم الأقضية...
وفي موازاة هذا العامل، هناك من يقول ما الضير في حال انتخبت كلّ طائفة نوّابها طالما كلّ الطوائف باستثناء المسيحيّين ينتخبون بحدود الـ90% من نوّابهم؟.
ولكن على رغم أحقّية ذلك، إلّا أنّ التحدي التاريخي الذي اتّخذه المسيحيون على عاتقهم هو العيش المشترك الذي يَفترض الاندماج الكامل بين الجماعات اقتصاديّا واجتماعيّا وسياسيّا، وهذا الاندماج لا يمكن أن يتحقّق إلّا بعد تجاوز المواطنين انتماءاتهم الذاتية نحو أهداف وطنية مشتركة، وخلاف ذلك يجعل فئة من الفئتين إمّا درجة ثانية أو يدفعها إلى الرحيل، كما يُفقد المسيحيين ميزتهم التي تتجسّد بانتشارهم على كامل الجغرافيا اللبنانية.
ومن ثمّ، من قال إنّ الهاجس الأساسي للمسيحيين هو حصراً من طبيعة تمثيلية، فيما هو عائد لعوامل تغييب الدولة وإبقاء لبنان ساحة والسيادة مستباحة، وما يقوم به "التيار الوطني" هو محاولة لحرف الأنظار عن المشكلة المركزية المتصلة بسلاح "حزب الله" وفتح مواجهة في غير محلّها وموقعها، لأنّه إذا كان مصير أيّ أكثرية أن تبقى شكلية في ظلّ السلاح، فإنّ أيّ تمثيل مسيحي لن يساهم في فرملة الهجرة وتبديد الهواجس إذا كان لبنان سيبقى غير مستقر، كون السبب الرئيس لهذه الهجرة هو عدم الاستقرار.
ولا بل إنّ أيّ خطوة "أرثوذكسية" ستؤسّس لخطوات أخرى من قبيل انتخاب الموارنة لرئيس الجمهورية والشيعة لرئيس المجلس النيابي والسنّة لرئيس الحكومة، وتجرّ عاجلاً أم آجلاً إلى فدرالية جغرافية تدفع المسيحيّين في منطقة ذات أغلبية إسلامية إلى الرحيل في حال اتّخاذ هذه الأغلبية، وهذا من حقها، قرارات من قبيل العمل أيّام الآحاد ومنع المشروبات الروحية وارتياد المسابح (...)، فيما الانتشار المسيحي مضافاً إليه مركزية الدولة ودستورها الذي ينصّ على مبادئ واضحة تبدأ بالمناصفة ولا تنتهي بحرّية الاعتقاد والتعليم شرط عدم إخلالهما في النظام العام، هو ضمانة للمسيحيين والمسلمين لعدم تغيير وجه لبنان.
ويبقى أنّ أكثر ما أزعج سوريا وإيران هو التقاطع المسيحي-السنّي بعد استشهاد رفيق الحريري والذي تُوِّج في انتفاضة الاستقلال وأدّى إلى إخراج الجيش السوري من لبنان وجسّد تحوّلاً تاريخيّا لدى هذه الطائفة، وبالتالي هذا التقاطع بالذات كان وما زال هدفاً لنظامي ولاية الفقيه والبعث بغية تفويت الفرصة على اللبنانيين لاستعادة سيادتهم بعد سقوط النظام السوري. وحيال كلّ ذلك، المطلوب وضع القليل من الماء في نبيذ "المستقبل" و"القوات" و"الكتائب".