صيغة للدوائر الصغرى بين 40 و50 دائرة - أسعد بشاره (الجمهورية)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أن تأتي المبادرة متأخرة خير من ألّا تأتي أبداً. يصحّ هذا القول في سعد الحريري ومبادرته، الذي يلحظ في الشكل تقاعساً غير مقبول في السعي إلى استباق أزمة كان الجميع يعرف داخل «14 آذار» وخارجها أنها آتية.
تكلّم الحريري فاستولدَ مبادرة تاريخية. انطلق من اتفاق الطائف، وأعلن بُنوّته للحظة "14 آذار" العظيمة في العام 2005، وشهَر سيفاً في معركة الحداثة، بجرأة ومعرفة مسبقة بخطورة ما وافق عليه (الزواج المدني الاختياري)، ولكن بتصميم يدلّ على مناعة وقدرات قيادية تخطّت مرحلة الاختبار.تصلح مبادرة الحريري لأن تكون عنواناً لإصلاح كل ما تركه المشروع الأرثوذكسي من آثار، ليس فقط على "14 آذار" بل تحديداً على مشهد 14 آذار 2005.
هذا المشهد تضرّر بقوة، وليس سهلاً ترميمه بالمسكنات. وبغضّ النظر عن تحديد المسؤوليات في الوصول إلى هذا التشرذم، فإنّ الواضح أنّ مبادرة الحريري هَدفت الى فتح الطريق أمام إعادة النظر بكلّ ما تجاهلته قوى "14 آذار" منذ العام 2005 والى الأمس القريب، حيث "فوجئت" بانفجار لغم قانون الانتخاب في داخلها، فيما كان الأجدر بهذه القوى، بدلاً من أن تضع رأسها في رمال الاستِكانَة إلى هدايا "حزب الله" الانتخابية، أن تقوم هي بما قام به الحزب وتتفِق على قانون انتخاب مُقنِع يتجاوز لغم التمثيل المسيحي ويضَع الطابة لدى الطرف الآخر.
ستكون هذه المبادرة أساساً صالحاً لإعادة إنتاج "14 آذار" جديدة، انطلاقاً ممّا تضمنته من بنود أربعة، ومن إقرار بأنّ تجاهل لغم التمثيل المسيحي لم يعد مُجدياً. فهذا التجاهل أضعفَ "14 آذار"، وقدّم هدية مجانية إلى العماد ميشال عون و"حزب الله" يستثمرانها اليوم تحت يافطة "حقوق المسيحيين"، التي يتغطّى بها عون لتبرير تبعيتّه للنظام السوري ولسلاح الحزب.
انطلاقاً من كل ذلك، تفترض المبادرة الشجاعة، طَيّ صفحة الخلاف الذي أجّجَه المشروع الأرثوذكسي، وذلك لن يحصل ما لم تتوقف الوشوشات الصبيانية، والتسريبات الإعلامية التي تصبّ ناراً على زيت "14 آذار". كما أنه لن يحصل إذا لم يَقم صاحب المبادرة باستكمالها تطبيقياً، من خلال إطلاق تفاوض حقيقي حول قانون الدوائر الصغرى الذي هو أصل المشكلة، تفاوض بالمباشر بين النائب وليد جنبلاط ومسيحيّي "14 آذار"، تكتمل عناصره عندما يتأكد الطرفان أنهما سيؤكلان فرادى عندما يُقرّ القانون الأرثوذكسي.
فالمسيحيون سيربحون وفق هذا القانون سماً في العسل، سيفوزون بالمقاعد الـ64 وسيقدمون كل ما بَنوه منذ العام 2005 على طبق من فضة إلى النظام السوري، وسلاح "حزب الله".
أما جنبلاط فلن يستطيع الركون طويلاً الى ضمانة صديقه الرئيس نبيه برّي الذي وعده بعدم طرح المشروع الأرثوذكسي على اللجان النيابية، ومن ثم على الهيئة العامة للتصويت. فما تطويل الوقت واستثماره قبل هذه الخطوة سوى ابتزاز سياسي مدروس لتيار "المستقبل" ولجنبلاط نفسه، لتدفيعهما فواتير في ملفات أخرى أكثر أهمية لـ"حزب الله" من قانون الانتخاب.
إذا كان الحريري استطاع أن يطلّ كقائد شجاع في أزمة وطنية كبرى، فإنّ ذلك لن يكون يكون كافياً لحماية "14 آذار" من دون الاتفاق على قانون انتخاب، ومن المفترض حينها أن يترجم الاتفاق على الدوائر الصغرى بنقاش حول تقسيم الدوائر لا محرّمات فيه، حتى منها تلك التي ما زالت راسخة منذ عهد القائمقاميتين.
في مبادرة الحريري فرصة تاريخية لترسيخ شراكة إسلامية - مسيحية على قياس الطائف، وفيها لغم وَجُب تفكيكه عنوانه قانون الانتخاب. هذا القانون سقفه الأعلى تقسيمات للدائرة الصغرى عددها خمسين دائرة، والأدنى المقبول أربعين، والأكثر إشكالية سيكون البحث في طريقة التعامل مع قضاءَي الشوف وعاليه، في ظل رفض جنبلاط المَسّ بهما.
إنّ النجاح بالتوصّل الى تسوية في الاتفاق على هذه التقسيمات بين "14 آذار" وجنبلاط، سيعني دفن قانونَي الستين والأرثوذكسي معاً. أمّا الفشل فسيُطلق اختبار النيّات الكبير الذي سيكشف أوراق اللاعبين المطويّة على مهلة الـ15 يوماً التي أعطيت للجنة النيابية المكلفة الاتفاق على قانون انتخاب يتوافق عليه الجميع.