اوباما والأولويات الجيوسياسية الجديدة - سام منسى (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم نكن بحاجة لجلسة الاستماع التي اجرتها لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي لمناقشة تعيين السيناتور جون كيري وزيرا للخارجية، لاكتشاف سمات التردد والبطء والرؤية المشوّشة للسياسة الخارجية الجديدة التي ستنتهجها ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما في ولايته الثانية.
هناك من يقول أن المؤسسة السياسية الاميركية هي في طور اعادة تكييف هيكلي جديد لصناعة القرار السياسي في اميركا.
وتشير بعض التحليلات، الى أن النفوذ الدولي للولايات المتحدة ينحسر لمصلحة اعادة بناء البيت الداخلي الذي تصدع على امتداد الحقبة الماضية، مع الحفاظ قدر الامكان على الحد الادنى الضروري، بما يكفل المصالح الاكثر حيوية بالنسبة اليها. وتشدد تلك التحليلات ايضا على أن هذا الانحسار ضروري ومؤقت، من اجل اعادة الامساك مجددا بمقاليد القرار الدولي.
اذا كان هذا الامر "صحيحا"، فان ما يجري في منطقتنا يطرح اكثر من سؤال حول قدرة هذه السياسة على الدفاع عن تلك المصالح الاكثر حيوية، سيما أن كل المؤشرات تدل على أن ما يخطط له وما ينفذ من مشاريع يعرّض مصالح الولايات المتحدة للخطر ليس فقط راهنا، بل مستقبلا ايضا. يضاف إلى ذلك الاخطار الجدية التي تهدد استقرار منطقة الشرق الاوسط والخليج عموما، في ظل الانفلات غير المسبوق للصراع الذي يأخذ طابعا مذهبيا بين السنة والشيعة هو الاكثر خطورة، فيما الحقيقة انه صراع للسيطرة على مقاليد المنطقة بين سندان ايران ومطرقة اسرائيل وبعض القوى الاقليمية الاخرى.
ما يجري في سوريا منذ اكثر من 22 شهرا كشف عن سياسة اميركية اقل ما يقال فيها انها كانت ولا تزال سياسة قاصرة في ظل التمسك بمقولة القيادة من الخلف. سياسة بدأت مع "تسليم" العراق لايران، وانتجت وضعا لا يحسد العراقيون عليه اليوم، مع تجدد النزاعات مع الاكراد وما يجري من "حراك سني" وتفجر امني يهدد العراق والمنطقة برمتها.
قد يكون تمسك واشنطن بتلك السياسة اضاع عليها فرصة الافادة من المناخ الذي شهدته بلدان "الربيع العربي" حين وقف الرئيس الاميركي باراك اوباما مطالبا حكامها "بالمغادرة امس وليس اليوم"، لاعادة ترميم السمعة الاميركية التي لطالما وصفت بالانحياز الاعمى لاسرائيل. سياسة انتهت بترحيب مشبوه بأنظمة "الاسلام السياسي المعتدل" الذي تولى مقاليد السلطة سواء بعد الثورات او عبر اصلاحات "طوعية".
وما يبعث على التساؤل اكثر هو محاولة فهم سياقات تلك السياسات الخارجية، وما اذا كان محركها هو اعادة ترميم البيت الاميركي المتصدع، ام انه قرار يضمر سياسة اميركية تسعى الى تأبيد او على الاقل ادامة حالة الفوضى والفراغ السياسي في المنطقة أطول مدة ممكنة ؟ ام ان واشنطن تقرأ قضايا الشرق الاوسط بعيون اسرائيلية؟
منذ اعادة انتخاب باراك اوباما واعلانه عن ادارته الجديدة وصولا الى المواقف التي اعلنها جون كيري "الرأس" الجديد للسياسة الخارجية، بدا ان محور الممانعة الذي تقوده ايران في المنطقة، قد "أساء فهم" هذه السياسة سواء عن قصد او صدفة ، و ما يجري في اكثر من ساحة من قبل هذا المحور، يشير الى ذلك بخاصة مع الاندفاعة التي شهدناها من اطرافه خلال الاسابيع القليلة الماضية، حيث بدا وكأنها تحقق انتصارات على الارض. من خطاب الرئيس السوري بشار الاسد في دار الاوبرا الى "ظهوره" العلني وقيادته سيارته بنفسه في شوارع دمشق، وصولا إلى الهجمات المضادة التي شنها على قوى المعارضة سواء في دمشق وريفها او في حمص ودرعا...
وهو ما ترافق مع تأكيدات المعارضة السورية على وقف كل اشكال الدعم المادية والعسكرية لها، وبخاصة من دول الخليج، تحت عنوان منع تسرب تلك المساعدات الى القوى المتطرفة فيها. ناهيك عن "عروض" القوة التي يقوم بها "حزب الله" في لبنان وفي سوريا على حد سواء، وصولا الى التساؤل عن هذه المفارقة العجيبة وهي نمو خطر الاصوليات السنية في المنطقة في كل مرة يتبين فيها ان لايران دورا ما في دعم تلك الجماعات السنية المتطرفة نفسها؟
ومن دون الوقوع في نظرية المؤامرة او المبالغة، لا بد لأي عاقل أن ينظر الى صحة المعلومات المتداولة اخيرا حول دور طهران في دعم تلك الحركات من مالي الى مختلف دول الصحراء الافريقية وصولا الى الصومال واليمن؟ تقارير استخبارية غربية كثيرة اشارت في الآونة الاخيرة الى سعي طهران للتخفيف من حدة الضغط عن مداها الحيوي المباشر في منطقة الشرق الاوسط، ومحاولتها نقل المواجهة وفتح جبهات اخرى بعيدة لاغراق الدول الغربية عموما في "المستنقع الافريقي".
يتساءل البعض عن اسباب الحديث بشكل كثيف عن "الخطر السني" من مالي الى اليمن الى سوريا الى مصر الى لبنان، كلما اشتد الطوق على محور الممانعة؟ هل هي الصدفة التي قادت وتقود الى التركيز على خطر جبهة النصرة في سوريا في موازاة الامعان في تهميش دور الجيش الحر؟ وماذا عن تضخيم "الحراك السلفي" في لبنان بعامة وطرابلس بخاصة مع التركيز على حركة الشيخ الاسير ودفعه الى "ثلوج" كفرذبيان الكسروانية واثارة البعبع السلفي في مواجهة المسيحيين اللبنانيين الخائفين؟
ولا تتوضح الصورة دون التساؤل عن معنى التصريحات الاميركية التي تؤكد على عدم السماح لايران بامتلاك السلاح النووي، مشددة في الوقت نفسه أن لا عمل عسكريا ضدها، وعن الثمن الذي يمكنها القبول به مقابل هذا السلاح؟
هناك من يقول أن ما جرى في العراق بعد "تسليمه" لايران، يبدو انه سياسة مستمرة في الشرق الأوسط بهدف انضاج تسوية مع طهران مقابل سلاحها النووي!
هل الثمن سيكون ايضا اعطاءها ما يمكن أن يتبقى من سوريا "المتشظية"، اذا تبين استحالة انقاذ الاسد، ومع ما يمكن أن يتبقى من لبنان؟
وفي ظل الحديث عن توجه الولايات المتحدة حثيثا نحو الاستغناء عن نفط منطقة الخليج، مع المعلومات التي تشير الى الاكتشافات النفطية الضخمة فيها ،هل هذا يعني أن هناك اعادة نظر في العلاقات الاميركية الخليجية، واعادة تركيب اولويات جيوسياسية جديدة، قد تكون على حساب تلك الدول، فيما يبدو حتى هذه اللحظة أن الهدف الاساسي منها هو محاولة تأمين وادامة المظلة الاميركية التي تحمي اسرائيل، في ظل هذا الزلزال الذي يتعذر حتى اللحظة معرفة مدى ارتداداته على المنطقة من افريقيا الى تركيا؟