الإنذار الإقتصادي وسط ضجيج السياسة: المطلوب رؤية جديدة لسنة 2020 - جهاد أزعور (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا شك في أن "ضجيج" الجدال السياسي الحاد هذه الأيام، يجب ألا يثنينا عن سماع صوت جرس الإنذار الاقتصادي والاجتماعي. فمؤشرات الخطر المتزايدة، تحتّم علينا الانكباب على وضع الحلول والمعالجات الفورية والخطط للنهوض ببلدنا وباقتصاده. وفيما المنطقة تشهد من حولنا تغييرات كبيرة، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي ايضا، لا يجوز أن نبقى نحن في لبنان مكتوفي الايدي، نكتفي بالتفرّج على القطار يمر مجدداً من أمامنا، ويسبقنا، مع أننا قادرون على أن نتولى... قيادته!
في ظل هذا الوضع، كيف السبيل إلى وقف التدهور الاقتصادي الحاصل ورسم مستقبل مزدهر للبنان؟
إن المطلوب اليوم هو المسارعة إلى تنفيذ خطوات فورية، بالتوازي مع الشروع في وضع استراتيجية اقتصادية واجتماعية متوسطة المدى تتيح تغيير المسار التراجعي، وتعيد إلى لبنان دوره الريادي. فالأولويات يجب أن تتمحور على معالجة الحاجات الملحّة للمواطنين والقطاعات الاقتصادية التي تعاني ركوداً شديداً، والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي والمالي، وكذلك التأسيس لبرنامج اقتصادي شامل على المدى المتوسط من شأنه توفير فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات التي تفيد منها مختلف المناطق اللبنانية والقطاعات الاقتصادية المنتجة.
لذا، يحتاج لبنان إلى رؤية جديدة ومختلفة للمستقبل، يمكن أن تضع سنة 2020 هدفاً زمنياً لها، عنوانها الطموح والريادة، مما يجعل الاقتصاد اللبناني يعكس القدرات الفردية الكبيرة للبنانيين التي تتيح لكثر منهم التمايز وتحقيق النجاح خارج لبنان. و"رؤية 2020" هذه، يجب أن ترتكز على برنامج واضح واستراتيجية مدروسة يتم وضعهما عبر آلية تشاورية ونقاش وطني واسع. ويكون هذا الطموح الجديد أساساً للعقد الاقتصادي والاجتماعي للبنان المستقبل.
أما برنامج النمو المطلوب، فيجب أن يخدم 3 أهداف هي الاستقرار والازدهار والإقدار، وأن يركّز على مسارات عدة، أهمُّها:
- استراتيجية جديدة للنمو من خلال تطوير مجموعة من التشريعات والإجراءات الإدارية لتحسين مناخ الأعمال، وتعجيل الإجراءات الإدارية وتيسير الخدمات العامة والمعاملات للمواطنين والانتقال سريعاً إلى العمل بمفهوم الحكومة الإلكترونية.
- برنامج وطني لتشجيع الابتكار والاقتصاد الجديد وتكنولوجيا المعلومات. إن تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات هي حجر الزاوية في أي خطط للإنماء الاقتصادي الحديث. ومن المهم للبنان وضع استراتيجية وطنية، تشمل الإطار التشريعي وتطوير البنية التحتية لهذا القطاع.
- تطوير الموارد البشرية: ينبغي تحقيق تقدم في تنفيذ البرنامج الإصلاحي في القطاع التربوي والبحث العلمي، حيال تحسين إدارة القطاع وتوفير التعليم ذي النوعية على أساس تكافؤ الفرص، وتطوير المعرفة والمهارات والقدرات بما يتناسب مع الإقتصاد، وتشجيع التدريب الفني في القطاعات التي تتمتع بامكانات النمو المرتفعة.
- ثمة حاجة ماسة إلى ورشة نهوض جديدة بالبنى التحتية لتطوير كل القطاعات الاقتصادية. كذلك على لبنان تطبيق اصلاحات جذرية في قطاع الكهرباء والطاقة، لخفض عجز مؤسسة كهرباء لبنان ورفع القدرة الإنتاجية لتغطية حاجات البلد وإقتصاده.
- تحقيق الأمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية عبر توسيع شبكة الرعاية الصحية، وتوسيع التغطية في مجال الخدمات الصحية الوقائية، ومراقبة نوعية الأدوية. كذلك على الحكومة وضع خطة لسلامة الغذاء وتنفيذها. أما في مجال الأمان الاجتماعي، فيجب أن تتركز الجهود على الحد من الفقر من خلال تنفيذ برامج دعم مالي تستهدف الفئات المحتاجة. ومن الإصلاحات الاجتماعية المهمة أيضاً اعتماد برنامج جديد للتقاعد والحماية الاجتماعية وإصلاح نظم الضمان الصحي لضمان استدامتها.
- إعادة إطلاق الإصلاح الماكرو-اقتصادي الذي وضع في مؤتمر "باريس 3" واستكماله، وإطلاق ورشة جديدة لتحديث النظام الضريبي وإصلاحه وجعله أكثر عدالة وتعزيز فاعلية إدارة المال العام.
- استدامة الموارد: يجب ألا يكون النمو على حساب استدامة الموارد الوطنية أو حماية البيئة، كما إن ممارسات إدارة استدامة الموارد يمكن ان تؤدي الى نشوء قطاعات وفرص عمل جديدة. وفي هذا الإطار، على الحكومة أن تشجع استخدام التقنيات النظيفة والطاقات المتجددة.
لا شك في أن تنفيذ الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للبنان يتطلب تنسيقاً كبيراً بين الإدارات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وتاليا، يجب أن تتوافر لدى الحكومة قدرات عالية في مجال التخطيط وإدارة الأداء لضمان إتساق السياسات وقرارات الإنفاق مع الأولويات الوطنية، ولتنسيق الجهود بين مختلف الجهات المعنية، ومراقبة النتائج.
إن ما يجعل هذه الرؤية الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة أكثر إلحاحاً، هو أننا دخلنا سنة استحقاقات مهمة، إذ ها هو المواطن اللبناني مدعو من خلال الانتخابات النيابية الى انتقاء ممثليه. إن اي حكومة لبنانية مقبلة يجب أن تتعهد وضع برنامج من هذا النوع وتنفيذه، لأن عهد التعهدات المالية السخية من الدول المانحة قد يكون ولّى، في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي عصفت بالعالم في الاعوام الأخيرة. ولا شيء يضمن أن يكون ثمة "باريس 4"، مثلاً، يشبه مؤتمر "باريس 3" الذي وفّر لنا قبل ست سنوات، في 25 كانون الثاني 2007، نحو 7,6 ملايين دولار. لكنّ الناخب اللبناني يستطيع هو أن يكون الجهة المانحة الأهم، فيمنح صوته من خلال صناديق الاقتراع لمن يستطيع فعلاً أن يلتزم تعهداته.
ثمة حاجة اليوم إلى تغيير دينامية النقاش الدائر في البلد، بحيث تتمحور على الموضوع الاقتصادي والاجتماعي. فالإصلاحات المنشودة تقود إلى تغيير مفهوم المواطنة، وتكفل إعادة انتاج الطبقة المتوسطة التي من شأنها أن تشكل سوراً يحمي الديموقراطية ويحصّنها. ولا شك في أن الحلول الاقتصادية والاجتماعية هي الطريق الأقصر إلى تحقيق الاستقرار السياسي للبنان.