"ندعو السارق... ونجعل منه حارساً"! - مازن حايك (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ندعو السارق (الإعلام)... ونجعل منه حارساً (على الاخبار والمعلومات)"، قالها دايفيد بن غوريون، اول رئيس حكومة اسرائيلي العام 1948، في معرض سعيه الى فرض طوق من الرقابة الصارمة على وسائل الاعلام، وحضّها على التزام عدم نشر الأسرار العسكر – أمنية و"المعلومات الحساسة"، خصوصا تلك التي تشكّل تهديداً للأمن القومي في "الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط!". في المقلب الآخر، يعرف الجميع مدى "تعلّق" النظام السوري بالديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان، و"حرصه" على أن يتمكّن الإعلام من تأدية رسالته بكل حرية ومهنية وشفافية وحياد، في موازاة اعتماده على تجنيد "الاعلاميين" لتلميع صورة النظام ورجالاته وإنجازاته، سعياً لإخفاء المعلومات والأرقام والوقائع والتجاوزات والجرائم عن الرأي العام، في الداخل والخارج. أما في لبنان، حيث يُعتبر سقف الحريات مرتفعاً نسبياً، فتسود "الرقابة الذاتية"، وتغيب الصحافة الاستقصائية، وتخضع علاقات وسائل الاعلام مع المؤسسات العسكر – أمنية وما يُعرف بـ"الأجهزة"، إلى "مدّ وجزر" واعتبارات عدة، أبرزها الولاءات السياسية، المتقاربة حيناً والمتباعدة أحياناً، والرغبة المشتركة في الحصول على الاخبار والمعلومات والبيانات من مصادرها، وبالاتجاهين... إضافة الى المصالح المتبادلة والخدمات المتصلة بصرف النفوذ، التي تجمع (أو تفرّق) ما بين القيّمين على الأجهزة الأمنية من جهة، وأصحاب وسائل الاعلام وأبرز العاملين فيها، من جهة أخرى.
إلا أن المفاجأة أتت من رحم "ثورة المعلومات والاتصال والتكنولوجيا"، عبر انتشار الانترنت، والاتصال السريع، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات "الإعلام الرقمي" الثابتة والتفاعلية والمتحرّكة، التي سبقت ذهنية الحاكم وسلطة رجل الأمن ومقص الرقيب... ومكّنت كل "مواطن – صحافي" صالح وإعلامي مهني، من تخطي الاعتبارات المتعددة، والمصالح المتنوعة، والرقابة الذاتية والمفروضة، والترهيب والترغيب... وبالتالي، رفع سقف الحرية والجرأة والمواجهة، وكشف المستور، وفضح التجاوزات والانتهاكات والجرائم، وإيصال الصورة كاملة، طمعا بمزيد من الشفافية والمساءلة والمحاسبة، باسم الرأي العام. لكن التحدي مستمر، خصوصا في ظل جنوح السلطات، عندنا قبل غيرنا، نحو حجب او قمع او وقف خدمات الانترنت والاتصال السريع، أو الاعتداء على حرية النشر والوصول الى المعلومات، او التنصت على البيانات الخاصة بالمستخدمين واستغلالها.
فهل يستمر "الحاكم بأمره" في محاولة تجنيد "السارق" وجعله "حارساً" لديه؟! أم يكتشف، مرغماً لا بطلاً، أننا بتنا نعيش في عصر يصعب على القادة السياسيين والعسكريين والامنيين والاداريين، وكذلك على الرؤساء التنفيذيين لكبريات الشركات، الإفلات من التدقيق والمساءلة والمحاسبة والعقاب... في السر والعلن؟!