Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

حكومات تمنع التقدّم .. وتلجم النموّ - غسان العياش (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

يسعى الرئيس تمام سلام لتشكيل حكومته الأولى، فيما السلطة التنفيذية أمام أزمة مستفحلة، تعطل إلى حدّ كبير قدرتها على إدارة البلاد.
الحكومات، من حيث المبدأ، تسيّر الشؤون العامة وترسي السياسات الوطنية، وهي تعالج المشاكل القائمة من دون أن تهمل مسؤوليتها عن تخصيص جزء من جهودها لمصلحة الأجيال المقبلة. ولكن معظم الحكومات اللبنانية، منذ استفحال الانقسام السياسي في البلاد، باتت غير قادرة على الاضطلاع بهذا الدور، بل حوّلها الصراع السياسي إلى أداة لتعطيل الاقتصاد، تقف مكبلة أمام المشاكل الراهنة وعاجزة عن المساهمة في بناء المستقبل.
أهمّ التغييرات الدستورية التي جاء بها اتفاق الطائف هو نقل السلطة التنفيذية من يد رئيس الجمهورية، يعاونه الوزراء، إلى مجلس الوزراء مجتمعاً. ولكن هذا التعديل، الذي حلّ مشكلة سياسية عميقة الجذور في لبنان، فرض توسيع القاعدة السياسية لمجلس الوزراء. بذلك باتت الحكومة في أحيان كثيرة منتدى للمماحكات والصراعات والمناورات وتصفية الحسابات، وتعطلت قدرتها على اتخاذ القرارات.
الاقتصاد اللبناني يتراجع، بل يمرّ بفترة اختناق، بسبب تطوّرات الصراع في سوريا وحدّة النزاعات الداخلية، وهو اليوم بأمسّ الحاجة إلى سلطة تنفيذية مبادرة وذات رؤية.
هبط معدّل النموّ الاقتصادي في لبنان خلال أربع سنوات من 9,2% إلى 2%، وفقاً لأفضل التقديرات، ومعدّل التضخم الذي ينهش الفقراء وذوي الدخل المحدود يناهز 6%. وتدهورت أوضاع المالية العامّة بسرعة، بعد فترة وجيزة من التقدم، فزاد العجز السنوي بالقيم المطلقة وكنسبة من الناتج المحلي، التي وصلت إلى حدود 10%. وعادت نسبة الدين إلى الناتج إلى الارتفاع بعد منحى تراجعي استمر بضع سنوات، أما الفائض الأولي، الذي يُعتمد عليه لاحتساب قدرة الاقتصاد على احتمال الدين العام، فقد تحوّل إلى عجز طفيف في العام الماضي، يُتوقع أن يزداد تفاقماً هذا العام بعد اعتماد سلسلة رواتب القطاع العام.
ميزان المدفوعات يسجل عجزاً متواصلاً منذ سنتين، لا سيما بسبب تراجع الصادرات وتقلص الاستثمارات الخارجية. قدّرت مؤسسة التمويل الدولية أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان انخفضت من 8,8% من الناتج المحلي سنة 2011 إلى 2,7% العام الماضي، أي خلال عام واحد.
والحكومات، بسبب الخلافات السياسية، عاجزة عن اتخاذ القرارات الصائبة لمعالجة المشاكل المزمنة والطارئة، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. إنها تقف مكتوفة الأيدي أمام مشكلة الكهرباء، وغير قادرة على تأمين التيّار بوسائل إنتاج وتوزيع حديثة للمؤسسات والمنازل، فيُعتمد على المولدات الخاصّة ذات الكلفة العالية للحصول على 50% من الطاقة. إنها تقف متفرّجة أمام تراكم أعباء الكهرباء على الموازنة العامّة، التي تحمّلت عن هذا القطاع 10 مليارات دولار في تسع سنوات فقط.
مؤسسة كبيرة للأبحاث قدّرت، في تقرير قدّمته إلى الدولة، أن إصلاح قطاعي الاتصالات والطاقة يخلق 80 ألف وظيفة جديدة. لم تتمكن الحكومة من تنفيذ الإصلاحات اللازمة في هذين القطاعين بسبب الخلافات السياسية، وفضلت استخدام 30 ألف موظف في الدولة، وشتان ما بين هذين النوعين من الموظفين من حيث الفاعلية والإنتاجية والتأثير على مستقبل الشباب والاقتصاد.
امتنعت الدولة عن إصلاح الإدارة العامّة لكي تصبح إنتاجيتها متناسبة مع كلفتها، وفشلت منذ عقود في تطوير وتفعيل الضمان الاجتماعي. إنها مستسلمة أمام المشاكل البيئية، وتردّي الاتصالات وارتفاع كلفتها، وانخفاض مستوى التعليم الرسمي، وتؤجل لسنوات تعيين عمداء كليات الجامعة اللبنانية ومديري فروعها وأساتذتها من ذوي الكفاءات.
لبنان من دون موازنة منذ ثماني سنوات. والموازنة، عدا كونها ركيزة أساسية للنظام الديموقراطي، ووسيلة تخاطب ذات مصداقية بين الدولة والأسواق، فهي تعكس بالأرقام سياسة الدولة ومشاريعها وتوجّهاتها. وغياب الموازنة يعني أن الدولة تسيّر البلد يوماً فيوماً، على غرار القاعدة الإثني عشرية، فلا سياسة لديها ولا توجّهات ولا مشروع.
من هنا كانت مشروعية التفكير بجعل مجلس الوزراء مؤسسة منتجة، تحصر اهتمامها بالشؤون الاقتصادية والحياتية التي لا تثير نزاعاً بين اللبنانيين. أما المواضيع الوطنية الجوهرية التي تثير خلافاً بين الفئات السياسية، كالأمن والدفاع والسياسة الخارجية، فتناط بهيئة على غرار هيئة الحوار الوطني، تضم المرجعيات السياسية الأساسية في لبنان وتعمل برعاية رئيس الجمهورية ومشاركة فاعلة من رئيس الوزراء. وهذا التدبير يمكن تحقيقه باتفاق سياسي، من دون حاجة لتعديل الدستور.


 

← Back to Selected Articles