Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

مصر التي ليست مصر! - محمد السماك (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ماذا يجري في مصر؟
من اين جاء كل هذا العنف؟
من أين جاء كل هذا التشدد والغلو؟
أين النكتة المصرية حتى على الذات؟
أين الابتسامة عنوان المحبة ومفتاح الأزمات؟
هل مصر هي مصر؟
لن أتوقف أمام الصراع السياسي بين الاخوان المسلمين وجبهة الانقاذ. فالصراع على السلطة أمر طبيعي. ولكن ما ليس طبيعياً أن يسلك الصراع طرقاً لم تسلكها السياسة المصرية من قبل. أسوأ هذه الطرق وأخطرها طريق الاحتكار. احتكار الحق، واحتكار السلطة باسم هذا الحق.
قامت ثورة 1952 التي أطاحت بالملكية من دون أن يلقى حجر واحد على القصر الملكي. فكيف تضرم النار اليوم في القصر الرئاسي وفي المقارات الحكومية الأخرى؟. كيف يرجم مبنى القضاء العالي؟.. وكيف تحرق المكتبات العامة وتحاصَر المؤسسات الإعلامية؟.
منذ جلاء القوات الانكليزية، لم تعرف مصر مشكلة طائفية. فكيف تتواصل الاعتداءات على المسيحيين الأقباط قتلاً، وعلى كنائسهم حرقاً وتدميراً؟.
ان ما يحدث في مصر اليوم ليس شأناً مصرياً داخلياً فقط. انه شأن كل دولة عربية. لقد تعرّض مسيحيو العراق أثناء وبعد الاجتياح الأميركي الى مأساة تجسدها هجرتهم الواسعة. فقد انخفض عددهم من نحو المليونين الى أقل من نصف مليون. لم يستدعِ مسيحيو العراق القوات الأميركية الى بلادهم. وعندما دخلت هذه القوات، لم يستقووا بها، بل كانوا ضحايا حملات التبشير التي قامت بها كنائس انجيلية أميركية رافقت الاجتياح.
وبعد الانسحاب الأميركي لم يطرحوا أنفسهم طرفاً في الصراع على السلطة. ومع ذلك تعرضوا للاضطهاد والتهجير. وقد خسر العراق بذلك ثروة وطنية. ولوثت هذه الخسارة الكبيرة سمعة الاسلام وألصقت به تهمة رفض التعايش مع الآخر، خلافاً لما تقول به العقيدة الاسلامية التي تصف المسيحيين بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا.
كان ينتظر أن يأتي الرد الاسلامي على محنة مسيحيي العراق من مصر. لأن مصر الأزهر الشريف، مصر التسعين مليوناً، كانت دائماً القدوة الحسنة بحكم ما يتمتع به مجتمعها من سماحة وبحكم ما أنعم الله عليها من علماء ومفكرين. ولكن الذي حدث يشير الى العكس. وهذا العكس لا يعبّر عن مصر التي حملت مشاعل الثقافة والتنوير الى كل أصقاع العالم العربي. ولا يعبّر بالتأكيد عن مدرسة أزهرها الشريف ولا عن دوره الاسلامي الرائد. فالوثائق الثلاث التي أذاعها وخاصة الوثيقة حول الحريات العامة، بما فيها الحرية الدينية، تؤكد انه في واد وأن ما يحدث في واد آخر. (بالمناسبة أين الوثيقة الرابعة حول المرأة؟) والوادي الآخر ليس وادي اللطرون حيث الدير القبطي الذي يعتكف فيه اليوم البابا الجديد حزناً واحتجاجاً على إحراق الكاتدرائية في القاهرة وعلى قتل أربعة من أبنائها. ان ما يحدث يصلح ان ينسب الى جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا، وليس الى أي جماعة اسلامية في مصر. مع ذلك لا بد من الإقرار وبكل ألم واستغراب، ان مسرح الجريمة الطائفية الدامية والمدمرة كان أحد أحياء القاهرة وليس أحد أحياء أبوجا أو كانو!!
كان من المفترض ومن المؤمل ان تقدم مصر كدولة عربية افريقية أزهرية المثل الذي تحتذي به دول مثل نيجيريا. ولكن الذي يحدث يقدم مثلاً لا يحتذى. فالدولة النيجيرية تطارد جماعة بوكو حرام كجماعة ارهابية، وهي فعلاً كذلك. اما في مصر، فان الكنيسة القبطية وهي الضحية، توجه الاتهام المباشر والعلني الى الدولة بالتقصير.. وربما بما هو أكثر من التقصير. وهنا مكمن الخطر. فإذا كان المسيحي المصري لا يطمئن الى حاضره والى مستقبله، فكيف يكون شعور المسيحي السوري؟ أو المسيحي العراقي؟ بل كل مسيحي مشرقي؟.
من هنا فان ما يحدث في مصر يعنينا جميعاً، مسلمين ومسيحيين، وبصورة مباشرة. وبالتالي فان صرختنا ضد ما يحدث لا تعبر فقط عن حبنا الكبير لمصر وعن حرصنا الشديد على وحدتها الوطنية، ولكنه يعبر أيضاً عن حبنا لوطننا وعن حرصنا على الدفاع عن وحدتنا الوطنية.. وعلى صيانتها من تداعيات عدم احترام الحريات الدينية على النحو الذي حدث في العراق، والذي بدأ يحدث اليوم في مصر.
فليس من الوطنية في شيء أن نرفع في لبنان مثلاً شعارات العيش المشترك ونسكت على انتهاك هذه الشعارات في أي دولة عربية أخرى. فكيف إذا كانت هذه الدولة في حجم مصر وما تمثله؟
وليس من الاسلام في شيء أن نردد الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن المسيحيين كمؤمنين وأهل كتاب وحملة رسالة من عند الله، ثم نتجاهل جرائم إحراق كنائسهم والاعتداء عليهم. لقد سبق للمرجعيات الاسلامية في لبنان، ومن مختلف المذاهب، أن أصدرت موقفاً مشتركاً اعتبرت فيه العدوان على أي كنيسة بمثابة اعتداء على كل مسجد، وحرمت انتهاك حرمات بيوت الله جميعاً. وهو موقف مبدأي نتمنى أن يصدر ويجب أن يصدر- عن المرجعيات الاسلامية في الدول العربية الأخرى، وخاصة في مصر.
نعرف ان للأزهر الشريف مواقف سباقة في التأكيد على مثل هذه الثوابت الإيمانية وعلى التمسك بها. الا اننا نعرف أيضاً وبكل ألم ان الأزهر يواجه الآن محنة تستهدف مرجعيته ودوره ورسالته، الأمر الذي يرسم علامات استفهام كبيرة حول "صدفة" تزامن محنة مسيحيي مصر مع محنة الأزهر!!
صحيح ان مصر عرفت حركات تطرف ديني في السابق كما تعرفها اليوم، ولكن مصر ليست التطرف. بل هي ضحية له. لا تعرف مصر الجبال الوعرة، ولا الوديان السحيقة؛ ولا تعرف البراكين المتفجرة أو أمواج التسونامي العاتية. تعرف مصر نهراً ينساب بوداعة عبر صحرائها وحقولها مثل دمعة فرح على خد عذراء جميلة.. ان مصر التي لجأت اليها عائلة المسيح.. وصاهرها النبي محمد عليه السلام.. مصر التي عرفت التوحيد قبل اليهودية والمسيحية والاسلام، تحتاج الى أن تكتشف ذاتها وأن تعود الى مصر من جديد.

 

← Back to Selected Articles