Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

«أمتطي غيمة» لربيع وياسر مروة.. تقرير إلى الحاضر - عباس بيضون (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ياسر في مسرحية «امتطي غيمة» وحده على الطاولة، ويتكلم عن نفسه. نعرف أنه يتكلم عن ياسر الحقيقي، عن أمور نبشها من حياته هو. لكنه يقولها. يبوح بها. يؤلف منها، من تداعياتها وهي تداعيات مضمومة أو متفرقة، متسلسلة أو مبعثرة. فياسر الذي يجلس إلى الطاولة في مطالعة عن حياته. في حوار من طرف واحد مع جمهور صامت، لا يسعى إلى أن يحبك من حياته أو يصعد في دراميتها، انه يتذكر في الغالب وقليلاً ما يمر في الراهن. لكنه ينبش أوراقاً من أرشيف. حوادث، أغاني، رسائل وما يريد أن يفعله نوع من توثيق. انه يتكلم من لحظته الآن، بعد أن مر ما مر وانقضى. يستعيد أشياء متفرقة من حياته. أقول حياته ولا أقول ماضيه رغم أننا في الماضي طوال الوقت تقريباً. لكنه الماضي لأن صلب تجربته ومعاناته الحياتية يقع في الماضي. انه يتذكر لكن سعيه الأول هو أن يقول حياته هو، هو أن يجعل من حياته موضوعاً لكلامه. انه يتكلم عنها لكن بحرية من تحرر من أواصره بها. يتكلم عنها وكأنه يحولها موضوعاً له، يتكلم عنها من مسافة تقصر أو تطول لكنها مسافة، لقد صارت عرضاً، صارت مطالعة. صارت أوراقا منبوشة متفرقة لكننا لا نستطيع القول انها ملتقطة كما اتفق، انها منبوشة عشوائياً أو انها تداعيات حرة. لا نستطيع أن نقول ذلك رغم ان العرض يوحي به. لا بد أن هذا النبش تعرض لانتقاء، تعرض لمونتاج وتأليف، تعرض لنظم أما ما يبدو من تلقائيته تداعياته فلا بد أن هذا هو غرض التأليف. لا بد أن مظهر التلقائية والتداعي احتاج إلى قدر من الاختيار والترتيب. فالتلقائية ليست العشوائية. إن نصاً مقطوفاً في لحظته لا يظهر كذلك إلا بقدر من الرصف والقصد.
من هنا أستطيع أن أقول ان ربيع وياسر مروه أرادا من هذا العمل أن يكون وثيقة حياة وصاغاه، على هذا النحو. ان بقاء ياسر خلف الطاولة التي قلما نهض عنها يعني أنه يتكلم من لحظته. ان زمن المسرحية رغم أنها تسترجع الماضي هو زمن العرض. انه تماماً هذا التواصل بين ياسر والجمهور، تواصل متفاوت لكن من يشك لحظة في أن ياسر يتكلم إلى جمهور، ومن يشك لحظة في أن الجمهور يسمع ويتابع. وأن العرض هو الآن، هو جماع ما بين ياسر والجمهور. ياسر هنا في مطالعة عن حياته وإلا فلمَ الطاولة ولمَ الجلوس إليها جلوس المتكلم او المحاضر. ان حياته وراءه وهو يقدم إلى المشاهدين في الصالة تقريراً عنها، لكن هذا التقرير ليس متسلسلا إلا حين تتطلب المطالعة ذلك. انه كما ينبغي أن يكون تقرير عن حياة، مبعثر مثلها متفرق الا حيث تتمحور على شيء، كما تمحورت على حادث الرصاصة التي زرعها قناص في رأسه. المعاناة التي تعرض لها بعد ذلك كانت حياته نفسها. لكن هذه المعاناة ليست ألما كلها ففيها مارس ياسر الجنس لأول مرة مع الممرضة التي أخرجته من سريره وأخذته إلى بيته، وهناك رسالة أولغا التي وصلته بعد ان غادر المستشفى الروسي وعاد إلى لبنان.
يبدو حقاً ان حادث الرصاصة يستنفد قسماً كبيراً وكبيراً جداً من العرض. لكنه يستنفذ مع ذلك أقل من الوقت الذي له في حياة ياسر الذي يبدو العرض نفسه وكأنه صراع ناجح معه. الحادث كبير وكان يمكن ان يكون وحده العرض. لكن ربيع وياسر أراداه أن يكون ضمن حياة وأن يكون هو نفسه حياة. الماضي يتجمع هنا في بؤرة واحدة، هي لحظة عرضه، لحظة استعادته. الماضي يبدو هنا تقريراً مقدماً إلى الحاضر. من ذلك كله نفهم كيف يمثل ياسر حياته من دون أن يكون بطلها، من هنا نفهم كيف يمثل حياته ولا يمثلها، المسرح هنا يتخلص من مظهره، من معالمه. بدون أن يكف عن أن يكون مسرحاً. انه تقريباً متحرر من نفسه، مع بقائه نفسه. انه تقريباً بدون تمثيل لكن النص هو البطل. النص الذي هو الحياة نفسها وقد ابتعدت وصارت موضوعاً، وبالطبع يتحرر المسرح من الحبكة والتصعيد الدرامي ويستمر مع ذلك للعبة تدخل فيها هذه المرة الشاشة التي تصاحب القراءة والغناء والموسيقى والاداءات التي تتخلل القراءة. يمكن أن نقول أننا في مسرح آخر يحاول جهده أن يحول الحكي والمطالعة والوثيقة إلى أداء مسرحي. لذا نحن في نوع من مسرح مضاد لا يسعنا أن نتناوله بذات النقد الذي نتناول به المسرح. اننا أمام لعبة تحول مواداً غير مسرحية إلى مسرح. نص ياسر وربيع مروه صار مسرحاً لأننا أردناه كذلك، لأنهما أراداه كذلك، لقد صار مسرحاً بالطريقة التي تغدو فيها صور مرلين مونرو المطبوعة على يد وارهول فنا، وبالطريقة التي يغدو فيها ضم أشياء إلى بعضها في التجهيزات فناً وبالطريقة التي يغدو فيها ضم ملاحظات واعترافات إلى بعضها فناً، أي أننا أمام لعبة أخرى يقع فيها المسرح بين فنون أخرى وتتحمل الخشبة سرداً إذا اصطنع لغاية المسرح.
لا نعرف تماماً ما هو النقد الذي يتناول مسرحاً كهذا. نحن هنا نتأمل اللعبة كلعبة ونتناولها من داخلها. الأخوان ربيع وياسر مروة صنعا مسرحاً من بينهما. رغم الحياد الذي يتناول به ياسر حياته الخاصة فإن نصه لم يكن بعيداً عن حياته. عنه هو، عن شخصه. لا أعرف إذا كان هذا البعد ممكنا، حادثة كحادثة ياسر ومعاناة كمعاناته ستكونان مؤثرتين بأي كلام قيلا وبأي عبارة. لكن المؤثر أكثر هو اشتمال النص الذي يقرأه ياسر على اثنين، فنحن في تضاعيف النص نجد نظرة ربيع الأخ ومعاناته هو لمعاناة أخيه. أي ان الكلام الذي يبدو واحداً هو كلام مزدوج وحتى في صوت ياسر وفي نبره كنا نكاد نسمع صوت ربيع ونبره. وعندما انتهى العرض بياسر وربيع يلعبان بالموسيقى كانا كأنهما خرجا من العرض ولعبهما بالموسيقى هو تضامنهما، وخروجهما من المعاناة ولحظتهما الحاضرة.
ليس هناك من درس لعرض ربيع وياسر مروة، لكن إذا كان لنا أن نضع لأنفسنا درساً. فإنه كفاح ياسر ومجابهته لمرضه وقدرته أخيراً على أن يواجه تجربته أمامنا وأن ينقلها إلينا. هذا بطبيعة الحال لم يكن قصد ياسر وربيع. لقد حاولا أن يجعلا من هذا الألم وهذه المعاناة لعبة. قالا لنا أنهما جعلاها، ولو أنها مستمرة، وراءهما. انهما يحولانها هكذا إلى قصة، قصة رغم صلتها بالواقع والتحامها به تصر على أنها قصة. أولاً، هذا قد يعيدنا إلى التطهر الأرسطوي. لكننا لن نقف عنده. قد يكون الدرس الثاني، وأصر على أننا نحن الذين نصنعه لأنفسنا. قد يكون الدرس الثاني أكثر غموضاً، بل نحن نحسه في لا وعينا. هذا الدرس يتصل بحضور ربيع الملتبس في النص فالنص كما سمعته لم يكن فحسب بضمير المتكلم الذي هو ياسر بل كان أيضاً بضمير الغائب الذي هو ربيع. مع الأنا التي تسعى إلى أن تبتعد عن نفسها. كان هناك صوت الأخوة التي تضيّق المسافة وتمنح النص بعداً عاطفيا، ففي هذه الدراما العائلية إذا كان لنا أن نطلق ذلك على عرض ربيع وياسر مروة تبدو الأخوّة جرحاً لا نلبث أن نشعر به في أعماقنا.

← Back to Selected Articles