Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

الموت والميليشيا من العراق إلى لبنان - مشرف عباس (الحياة)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

التفجير الذي طاول منطقة بئر العبد القريبة من المربع الأمني التابع لـ «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية، في التاسع من الشهر الجاري، كان من قماشة العنف العراقي، بطرقه وآلياته ورسائله. وبالإضافة إلى أن هذا التفجير كـشف حـجم الـتهـديدات التي يغذيها الموت المتنقل عبر حدود الشرق الأوسط، فهو يعكس طبيعة الأخطار التي يكتنفها تفاقم غياب مفهوم الدولة تدريجاً في المنطقة لمصلحة الأحزاب والميليشيات المتنفذة.

في العراق، كان الحديث على امتداد السنين العشر الماضية عن تورط دول الإقليم في العنف العراقي. دعمت إيران مجموعات مسلحة شيعية عراقية، ودعمت سورية ودول أخرى عربية مجموعات مسلحة سنّية، وكانت الـساحة مـعبّدة لتـداخل قوى مسلحة، مثل «حزب الله» و «حماس» و «حزب العمال الكردسـتاني» و «مـجاهدين خلق»، بالاضـافة إلى تنـظـيم «الـقاعدة».

كان واضحاً أن الساحة العراقية استقطبت اللاعبين الصغار والكبار، ومعهم استدعت كل إمكانات العنف واختبرت قدرات الميليشيات المسلحة المنظمة، وكفاءة أجهزة الاستخبارات الإقليمية في تجنيد المقاتلين ونقلهم عبر الحدود وتمرير الأسلحة، وأيضاً تطوير طرق موت وتفجير غير تقليدية محـلياً، وإنـعاش سـوق السلاح الدولي.

الحروب العراقية الفتاكة لم تكن استجابة فقط لضرورات عراقية داخلية، بل استمرت استجاباتها الإقليمية باعتبارها الملمح الأبرز للزلازل العراقية، والدافع الأكبر لاستمرارها. فالصراع الداخلي العراقي كان حاضنة نموذجية لفائض الإرهاب الذي تم التخلص منه عبر إلقائه في المحرقة العراقية، مثلما كان متنفَّساً للصراع الطائفي المتصاعد.

لكن «فلسفة الحرائق» لم تعترف -كما يبدو- بقدرات القوى الخارجية على لجمها، فكان من السهل أن تمتد إلى دول الإقليم وأن تتسع خارج إرادة اللاعبين الذين ساهموا فيها على امتداد السنين العشر الماضية في العراق.

لبنان لم يكن غريباً عن ذلك الواقع، فمنطقة الشرق الأوسط ما زالت تعتبر هذا البلد سلسلة من براميل البارود القابلة للانفجار.

كان الحل الذي اقتُرح بداية التسعينات لبقاء الخريطة اللبنانية تحت سقف السلم الاجتماعي، هو الحل ذاته الذي اقتُرح لإبقاء العراق تحت هذا السقف بعد 2003، بأن يختار البَلَدان سياسةً شديدة الحساسية والتحفظ إزاء أزمات المنطقة، وان يعترفا بأن التركيبة الاجتماعية الهشة لكل منهما تتطلب خيارات الحياد، بل الإيغال في الحياد أمام الصراعات الإقليمية.

في اللحظة التي تم فيها تفجير بئر العبد في بيروت، كانت دلالات التفجير تقفز بلا تردد إلى خارج لبنان، إلى سورية على وجه التحديد، وتلك اللحظة التي شهدت احتجاجات في الضاحية الجنوبية، قابلتها لحظة فرح لدى تنظيمات مناوئة، تماماً كاللحظة التي وزع فيها عناصر «حزب الله» اللبناني حلوى في الشوارع احتفالاً بالانتصار في معركة القصير السورية، حيث كان الجانب الآخر يجمع ضحاياه!

تلك المفارقة تستدعي مفارقات أخرى، فاللبنانيون والعرب شعروا بخطورة تدخل «حـزب الـله» فـي الـمعركـة السورية، والذي كان ايذاناً ببدء مرحلة جديدة من الصدام اللبناني– اللبناني، أو هكذا قُرِئ على نطاق واسع، في حين لم يبدُ القلق واضحاً وعميقاً ومهدِّداً عندَما تدخل «حزب الله» في المعارك العراقية لمدة عشر سنين مضت!

علي موسى دقدوق لم يكن مجرد مسلح لبناني الجنسية شارك في الاضطرابات العراقية لأعوام، بل هو ممثل فعلي لمشاركة «حزب الله» اللبناني في الصراع العراقي الداخلي، وجاء ترؤسه مجموعات «كتائب حزب الله العراقي» و «عصائب أهل الحق» كنسخ عراقية عن التنظيم اللبناني، إشارةً واضحة إلى تدخل «حزب الله» مبكراً في الصراع العراقي، وإلى أن هذا التدخل كان يجب أن «يُقلِق» الجمهور العربي.

لكن نشاط دقدوق منذ 2003 وحتى لحظة اعتقاله من قبل القوات الأميركية بعد اتهامه بخطف جنود اميركيين العام 2007 وقتلهم، لم يكن يثير القلق. فالجمهور العربي احتشد في ذلك الوقت خلف شعار «المقاومة» الذي رفعه «حزب الله» والمجموعات المسلحة السنّية، وكان مبرَّراً التغاضي عن مستوى العنف الموجّه إلى العراقيين وإلى مستقبل هذا البلد.

ازدواجية المعايير العربية والإقليمية في التعامل مع الملف العراقي بدت متجذرة ومؤلمة. فإيران نظرت إلى حلفائها في الميليشيات الشيعية كـ «أبطال» يسعون إلى محاصرة الوجود الأميركي في العراق وضمان المصالح الإيرانية العليا. وبين الدول العربية مَنْ نَظَرَ إلى المسلحين السنّة، ومنهم عناصر «القاعدة» كأبطال يؤدون المهمة ذاتها، وسورية استمرت باعتبارها القوة التي تملأ الفراغ بين الجانبين، فدعمت الميليشيات والمسلحين من الطرفين، ولعبت لسنواتٍ لعبةَ التحكم بصمامات بارود يصعب التحكم بها.

لم يستوقف أحداً في ذلك الوقت أن هؤلاء «الأبطال» قد يكونون متورطين بشكل فعلي بالدم العراقي، ولم يستشعر أحد بالضرورة أن هؤلاء «الأبطال» سيفيضون على المنطقة لاحقاً، بمزيدٍ من العنف والفوضى.

لم يتمكن لبنان من السيطرة على «تعملق» «حزب الله» وتحوله دولة داخل الدولة، ولم يتمكن العراق من السيطرة على ميليشياته، مثلما لم تتمكن ليبيا من الأمر ذاته، ولا يبدو أن مصر يمكن أن تفعل، وبالطبع لن تكون سورية المستقبل بمعزل عن تعملق ميليشياتها الفاعلة اليوم.

إنه عصر ينبئ بميليشيات تتحول إلى بديل للدول. هذا ما يجب الاعتراف به اليوم، وعدم نسيانه أو التبرير له أو التعامل معه وفق مبدأ «الغايات تبرر الوسائل».

وإذا كان لا بد من علاج لأزمات المنطقة، فإنه لن يأتي على أي حال على أيدي الميليشيات، فإما أن تعود الدول إلى ممارسة وجودها وقانونها وتبرم عقودها الاجتماعية مع شعوبها، وإما أن تسلم مستقبلها لميليشيات تتبادل الشعارات الكبيرة، كما تتبادل السيارات المفخخة!
 

← Back to Selected Articles