لستُ "فدا السيّد" - رشا الأمين (ناو ليبانون)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
انفجاران، دمار، شهداء وجرحى.
كل الأنظار موجّهة نحو السيارات في الضاحية الجنوبية لبيروت. لحسن حظّي أنني ما زلت على قيد الحياة، أو لسوئه.. لا أعلم.
رغبتي المُلحّة في الذهاب الى أماكن "الحوادث" وتصويرها لم تكن ملحّة هذه المرة. لم يعد يعنيني الاحتفاظ بصور أناسٍ غرقت في دمائها، ولا صور دمارِ ما كان في السابق مطبخاً أو محلاً. فمشهد الانفجار السابق في بئر العبد وأسبابه، عدا عن طريقة التعامل مع الحدث من قبل عناصر "حزب الله"، حين قال لي أحدهم "مشوبراً" بيده اليسرى وحاملاً سلاحه في اليُمنى: "محّي الصور أحسن ما محّيكي، في غيرك بنت عم تصوّر؟".. كلّ هذا قيّدني بسلاسل حديدية تؤلمني لدرجة أنني لم أعد أتحمّل تكرار مشاهدة "الحوادث".
سألتُ عن معارفي من سكان المنطقة بقلب مقبوض ودمعة عالقة وعلمت ما علمت: محمد توفّى وتيتّمت بناته، وشادي فقد حيطان منزله وأصبح عارياً، ونوال صرخت بعدما أصيب أخوها بجروح عميقة "فدا السيّد". أمّا جاري الذي كان يزور طبيب الأسنان مع بناته، فاستشهد وفُقدت بناته..
توقفت عند كلمة نوال في طريقي الى منزلي مع كل الحواجز المزروعة بالشوارع من عناصر الحزب، فلا قوى أمن أو جيش، ومرّت في ذهني أسئلة عديدة أعلم أنّها وجودية الطابع لا أجوبة لها.
من قال إنّ الشهداء اختاروا أن يستشهدوا؟ أو أن يموتوا بسبب قرارات سياسية أو عسكرية عُرفت نتائجها مسبقاً؟
لماذا علينا أن نتحمّل حرباً بين تكفيريين اختاروا قتل الأبرياء ردّا على أعدائهم داخل الضاحية؟ هل كُتبت علينا حروب الآخرين على أرضنا؟
لماذا أرسل حزب الله شباباً الى سوريا؟ ألم يعلم أن التكفيريين والإرهابيين سيفجروننا بسببه؟ هل بشار الأسد ونظامه يستحقان هدر دماء سكان الضاحية؟ ألم تكن عدوّتنا اسرائيل؟ أين أنت يا الله؟ أين كانت عنايتك الإلهية التي يتكلّم عنها "حزب الله" في مقدّمات نشرات أخباره؟ لماذا جزمت نوال أن أخاها "فدا السيّد"؟ هل كان شقيق نوال سيسير في الشارع نفسه لو علم مسبقاً أن الانفجار سيقع وأنه سيموت فيه فداءً؟ هل سأموت بعد قليل؟ هل أنا ومنزلي وطموحي وحياتي الوحيدة، فعلاً "فدا السيد"؟
الأجوبة على أسئلتي لن تنفع بعد اليوم. الأبرياء رحلوا والشوارع امتلأت بالدموع والدماء، والزعماء ابتزّوا الشعب عاطفياً حتى اختفت الحقيقة، والانفجارات والصواريخ والقتل والموت أصبحوا عادةً كالأكل والشرب والجنس في كل البلاد العربية. ووصلنا إلى زمنٍ تُوزَّع فيه حلوى الفرح ابتهاجاً بالمجزرة.
ربّما سأموت اليوم أو غداً بتفجير سيارة جديدة، وربما لن تنفجر سيارة ولن أموت حرقاً، ولكن أعلم جيّدا أنّني لست فداء للسيد حسن نصرالله ولا لسوريّته ولا لأي أحد آخر.