الذي لم يفهمه رجب طيّب أردوغان - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
الدور السياسي للجيش أصبح حالة رجعية في تركيا. دور ما "سياسي" للجيش في مصر ضمن نظام مدني وبعد نهاية النظام العسكري المباشر الذي امتدّ بين
1952 - 2011 هو حالة يمكن أن تكون تقدمية للديموقراطية المصرية الباحثة حاليا عن الاستقرار.
من ميزات رئيس الوزراء التركي وزعيم "حزب العدالة والتنمية" رجب طيّب أردوغان التي وَسَمَتْ شخصيّتَه كقائد شعبي أنه يذهب في الكثير من الأحيان مباشرة إلى صلب المواضيع المُثارة فيعلن مواقفه بصراحة صادمة.
لكن هذه الصراحة بدأت تنقلب عليه أوتسير لغير صالحه في الأشهر الأخيرة. ربما يكمن سبب هذا التبدّل في عناصر معقّدة وبعضها غير مرئي عندما يبدأ تراجع العناصر الموضوعية لموقع الشخص أو الحزب السياسي، أي عندما يبدأ زمن الهبوط، بينما الأداء ذاته يكون في مراحل الصعود السياسي قوة نجاح لا فشل. إنه فارق الشباب –الشيخوخة السياسية، التحولات الاجتماعية الاقتصادية عبر قوى تولد من ديناميكية زمن الصعود وتتحوّل هي نفسها إلى عوامل تمرّد وإضعاف في زمن الهبوط.
هنا تكمن حاليا المشكلة العميقة لوضعية رجب أردوغان: عدم قدرته (تبعا لتصريحاته وردود فعله) على فهم التحولات الداخلية في تركيا والإقليمية المحيطة بها حتى لو كانت نتيجة سياسات ساهم في صناعتها بل في قيادتِها!
سنقف عند الملف المصري المحوري للداخل والخارج التركيّيْن:
التقط رجب طيّب أردوغان حدث إقصاء نظام "الإخوان المسلمين" على أنه يمس تركيا مباشرة ليس فقط في كون "الإخوان" حلفاءه – حتى أن حكومته ظهرت "حكومةً إخوانية أخرى " في المنطقة - بل أيضا وربما أساساً في أن نموذج التغيير المصري يعني انتعاشا خطيرا في الدور السياسي للجيش قد يهدّد الوضع التركي من حيث تشجيعُهُ على إعادة انتعاش الدور السياسي للجيش اللتركي، الدور الذي كان هو وحزبه أول من "قضى" عليه.
الذي لا يفهمه رجب طيّب أردوغان أن الديموقراطية التركية وصلت إلى حد الحاجة لرفع الوصاية العسكرية عن الحياة السياسية والمدنية وبالتالي ساهم هذا الرفع فعلا في تعزيز هذه الديموقراطية ونقلها إلى مستوى جديد وقف فيه علمانيون ويساريون وليبراليون كثيرون داخل تركيا مع أردوغان خلال قيامه بذلك ( إلى أَنْ أصبحت سلطويته الشعبوية مشكلة كبيرة اليوم في تركيا). لم يحكم الجيش التركي بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك مباشرةً تركيا إلا فترات محدودة. كان وصيا غير مباشر على الدولة التركية منذ عام 1939 وأحيانا حكمت أحزاب معارضة له، كما عشرُ سنواتِ الخمسيناتِ من القرن الماضي (التي ارتُكِب أيضا خلالها خطأ الصدام مع السياسة المصرية) ثم أشهُرُ نجم الدين أربكان عام 1997، وكلتا التجربتين انتهت الأولى بانقلاب عسكري كلاسيكي والثانية بانقلاب سهل عبر بيان على الإنترنت أعاد بعده الجيش الحكم سريعاً للمدنيين. في مصر الأمر مختلف. سيطر الجيش على السلطة عام 1952 وأقام نظام حكم مباشر كان الضباط فيه في أهم المواقع المدنية وليس العسكرية فقط وبقي ذلك حتى إسقاط حسني مبارك في "ميدان التحرير" عام 2011.
إذن الفارق مهم بين تركيا ومصر: في أنقرة كان هناك نظام حكم مدني مع قدِرٍ جدّي من الديموقراطيّة تحت الوصاية العسكرية. في القاهرة كان هناك نظام حكم ضبّاط الجيش مباشرة.
هنا نصل إلى الذي لا يفهمه أردوغان حاليا ولا يريد أن يفهمه وربما ليس قادرا على فهمه بحكم تكوينه وتجربته: في تركيا تقدّمُ الديموقراطية كان يستلزم إنهاء وصاية الجيش. في مصر الانتقال من حكم عسكري مباشر عام 2011 إلى فترة ثورية شارعية قلقة أوصلت "الإخوان المسلمين" ثم أقْصَتْهُمْ بثورة مضادة شعبية عسكرية يتطلّب إيجاد صيغة ديموقراطية مستقرة تكرّس دوراً ما للجيش في حماية الاستقرار وليس في الحكم. هكذا حاليا إقصاء وصاية الجيش نقلة تقدمية للديموقراطيّة التركية بينما "حصر" دور الجيش المصري في مساحة سياسية في النظام الجديد ضروري لاستقرار الديموقراطية المصرية ( يُعبَّر عنها في الأدبيات المصرية ب "قضايا الأمن القومي").
بكلام آخر: الدور السياسي للجيش حالة رجعية في تركيا. دور ما "سياسي" للجيش في مصر ضمن نظام مدني وبعد نهاية نظام 1952 -2011 العسكري هو حالة يمكن أن تكون تقدمية للديموقراطية المصرية.
سخرية الأقدار تجعل مصر في حاجة إلى الصيغة الأتاتوركية بعد وفاة أتاتورك بينما هي في تركيا أصبحت من الماضي.
أظهر أردوغان بل أثبت عدم قدرته الذهنية في العديد من المسائل مؤخرا مثل فجوته النفسية والسياسية مع الحركات الشبابية في أحداث "ساحة تقسيم" والتي جعلته يدلي بتصريحات شبيهة بتصريحات أي حاكم عسكري عربي من الطاقم القديم الذي سقط معظمه، عن "المؤامرة الخارجية على مكانة تركيا".
ما لا يفهمه أردوغان أن نظام حكمٍ عسكرياً لم يعد ممكنا في مصر لأن قوى المجتمع المصري الطليعيّة من الطبقة الوسطى في المدن أصبحت في الشارع وسقط النظام البوليسي بينما ما يفعله الجيش المصري رغم العديد من الانتهاكات الأمنية هو فعلا بتكليف من أغلبية اجتماعية مصريّة.
سنعود لاحقا إلى "انهيارات" السياسة الداخلية التركية وتأثرها بـ"انهيارات السياسة الخارجية" وأحد أمثلتها مؤخرا صدمة الموقف السعودي المتناقض مع تركيا في مصر والتي انعكست في الحملة "الأردوغانية" على أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي إكمال الدين إحسان أوغلو الذي هو أول تركي يتولّى هذا المنصب وكان مرشح الرئيس عبدالله غول عام 2005.
دعوني في نهاية هذه العجالة أصرّ على فكرة "بدء الشيخوخة السياسية" لـ"حزب العدالة والتنمية" التركي التي ظهرت مع "احداث تقسيم" حتى لو كان لا يزال الحزب الأكثر شعبية في تركيا. لكن، كما كتبنا سابقا، عوارض "الشيخوخة السياسية" يجب رصدها في ذروة السلطة لا في حضيضها.