Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

التوأم - عباس بيضون (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

البلدان التوأم (لبنان سوريا) لم تكن لأحدهما حياة مستقلة عن الآخر. كان هناك تاريخ أعم تلابسا فيه واختلطا وتداخلا بحيث لم يكن لهما تاريخ. تلابسا في الزمان والمكان ولم يكن لأيهما زمان ومكان إلا في المجرد وفي الفرض. حين خرجا من بعضهما البعض واستوى كل إزاء الآخر.
كان هناك التوأم الأصغر والأكبر، التوأم القوي والضعيف. لكنها ليست حكاية اثنين. انها حكاية كثار طال اختلاطهم ولما افترقوا كان في كل واحد شيء من الآخر بحيث لم يستطع أن يعرف نفسه. انها حكاية كثيرين اضطربوا وقد صاروا لأنفسهم من تلك اللائحة الغريبة في وجوههم وفي أجسادهم. كثيرون كانوا غرباء عن أنفسهم وطالما وجدوها ملفقة مصطنعة ليس فيها أمارات من الآخرين فحسب وإنما شيء من إرادة الذي أخرجهم من بعضهم ورسم الحدود بينهم. لقد صاروا هكذا بهذه الإرادة الغربية وهذه الإرادة تدمغ وجودهم. إنهم أبناؤها وهي سمتهم ووسمهم. أبناء وربما لقطاء تدبير خارج عنهم. كرهوا أنفسهم التي وجدوها عليهم أكثر مما هي لهم. وجدوها مبثوثة فيهم من قوة استعبدتهم وتركت شارتها على كيانهم.
لم يكونوا بلدانا، كانوا أجزاء وأقساماً وفي تجزئتهم وتقسيمهم وعلى حدودهم الجديدة نفسها لم يكن هناك سوى السحر الاستعماري. سوى المؤامرة على الكيان كله. كان الاستعمار هو اللعنة وهو الرصد وهو السحر، كان قوة فوق بشرية فوق أرضية تستمر في دمائهم وفي أنسجتهم وفي ترابهم. وتجعلها عليهم وضدهم. كانت النتيجة أن مقتوا حدودهم وترابهم ودمهم نفسه. كانوا يستنهضون من تراثهم ذكريات أكيدة، وغير أكيدة. يستنهضون زمنا حقيقيا وغير حقيقي، يعودون إلى ماض سحري وغير سحري، ماض كامل ناصع لا شائبة فيه ولا حدود كليّ مطلق، يعودون إلى فطرة لم تستدخل بعد غريباً عليها ولم تستبطن سماً من خارجها.
كانت الفكرة آنذاك ان الأمم كالدين، تتنزل مرة واحدة، وتتنزل كاملة وكلية. وتتنزل بإرادة قدسية وبوحي لا يماري، وتبقى أصلاً لا يستدخل شيئاً إلا من جنسه ومن سليقته ومن فطرته. أصل هو وراء النفس ووراء العقل ووراء الروح. كانوا في لحظتهم المكروهة يرهبون حدودهم ويغضون عنها ويظنون انها تشربت لعنة وانها قفص لهم ومانع لحريتهم، وينظرون بحزن إلى الحدود الأخرى التي ينتظرون متى تنقلب عليهم وتتحول أيضاً إلى دم ولعنة.
كان لا بد من وقت طويل للتعامل مع هذه الحدود الكاذبة المكذوبة. وقت طويل للتعامل مع هذا التراب، وقت طويل للتعامل بين أفراد هذه الرقعة البشرية التي وجدت هكذا على هذا التراب، وقت طويل للرضا بهذا الحاضر المتقزم الذي لا أصل له ولا فطرة وإنما صنع بالتلاعب والعبث وتدبير الغير. وقت طويل ودموي غالباً للشعور بأن ثمة زمناً أنفق على هذا التراب وداخل تلك الحدود وان ثمة بنى قامت وارتفعت هنا. وثمة تقاليد وأنماط حياة وأذواق اشترك فيها الناس. ان تعبا بذل وجهداً ومشقة على هذه الأرض، وان ثمة ذكريات تستدعي ذكريات وأشخاصاً صارت من حصتنا على هذا التراب. كان لا بد من وقت طويل لتتأسس اتجاهات ومذاهب وسياسات وليوجد مخاض أفكار وصراعات. ورغم أن الأصل القدسي ما زال قائماً، إلا انه أخذ يرتفع أكثر فأكثر في السماء ويقل وحيه وتنزيله.
لنعد إلى حكاية التوأمين. كلاهما الآن راض بحدوده التي امتلأت دماً. كلاهما الآن راض بترابه الذي جبله بعرقه ومشقته وأحياناً بماء قلبه وشرايينه، لكن التوأمين منذ افترقا صار لكل مساره. التوأم الأقوى والأكبر ورث الأسطورة الأولى، الأصل المتنزل، الوحي القديم. التوأم الأصغر لم يرث شيئاً من هذه التركة الذهبية لذا بقي مباحاً لرياح الشرق والغرب. فصل بين التاريخ (أي تاريخ) والجغرافيا، فصل بين السياسة والاقتصاد.
هكذا كان يتحايل على ضعفه وعلى ضآلته. بينما كان التوأم الأكبر يغلي ضد من جرحوا كيانه بهذه الحدود ويتحفز للثأر ممن سرقوا جزءاً غالياً من تراب الأجداد، ويتحضر دائماً لحرب تاريخية اقتضت منه أن يسلم السلطة للعسكريين، وأن يجعل من المجتمع جيشاً، كما هو الجيش، ينصاع أولاً ويطيع ويأتمر. لقد كان هنا حلم الدولة القومية التي ما كانت لتتأسس إلا على الحروب القومية وعلى الجيش القومي. كان المجتمع كله راضخاً لهذه المخيلة البسماركية. الثأر والوحدة يحتاجان للقوة وبالقوة وحدها يتحققان، القوة أولاً والقوة لا تكون إلا بالانضباط وبالاتفاق والرأي الواحد. هنا كانت المخيلة السياسية لا تفرق بين الشعب والجيش، ولا تفرق بين الحرب والحياة المدنية، ولا تفرق بين السياسة والحرب.
التوأم الأصغر اتجه في مسار آخر. لم تكن حكايته عن الأصل التاريخي سوى حكايات يعرف انها لا تلزم بشيء، لقد كان غير مدين لشيء ولأي ماض حقيقي أم متخيل. لم تثقل عليه ذكريات حقيقية أم متخيلة، لذا بات بلا أي مقاومة حيال ما يأتيه من العالم. لم يدافع عن شيء ولم يمانع شيئاً، كان غير متحصّن بلغة ولا بتاريخ قريب أم بعيد، لذا كان مفتوحاً لكل شيء، قابلاً للتغير على أي وجه، وللتحول إلى أي صفة. كان ابن حاضره أكثر مما هو ابن ماضيه. لذا كان مساره هو ما سمي في ما بعد بالتحديث. بيد أن التوأم الأصغر عانى كثيراً كونه الأصغر، وحاول باستمرار ان تكون لعبته التاريخية أكبر منه، لذا دخل هو الآخر في كل الحروب التي فاتته وكان هذا، بطبيعة الحال، نهاية التحديث.
التوأم الأكبر الذي طالما سخر من التوأم الأصغر الذي بلا تراث لم يفهم ان الخيال الحربي لا ينتج جيشاً وان الحرب بمجتمعها وبزمنها هذا وبزمن هذا المجتمع أيضاً، لذا انتهت حروبه إلى بوار.
حكاية التوأمين ليست خاصة جداً. انها نهاية وسقوط حلمين: التحديث والدولة القومية.
 

← Back to Selected Articles