Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

بين التراب و«الترابة» - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

هناك فروق كبيرة بين الاستثمار في شركات ومعامل لإنتاج الترابة وبين العمل لحماية جبل ما، كما الفروق بين التراب والترابة. فالتربة عنصر اساسي من عناصر الطبيعة ومصدر اساسي من مصادر الحياة، بينما «الترابة» منتج مصنّع في مصانع دمّرت جبالاً كثيرة وحرقت واستهلكت طاقة كثيرة ولوثت هواء كثيراً وتسببت بالموت لأنواع كثيرة بينها النوع الانساني... الخ.
ما الذي يفسر (او يبرر) ان ندمر جبلاً، ونسعى بعد ذلك الى الادعاء بتأسيس جمعية لحماية جبل آخر؟ ما معنى أن نأتي بعلماء لنبرهن ما هي أعداد الانواع التي وجدناها في الجبل المحميّ والتي تُفترض حمايتها، بينما لم نأتِ بهؤلاء العلماء انفسهم لمعرفة الأنواع التي قضينا عليها وتسببنا بانقراضها حين استثمرنا في جبل آخر ودمّرنا كل معالم الحياة فيه؟! أي «علماء» او خبراء قدموا تلك «الفتاوى» بحق الجبال والطبيعة فبيّضوا صفحة مستثمرين ملوثين بدلاً من العمل على فضحهم.
ثم من قال أن الاخضرار هو المعيار للطبيعة وليس وجود الصخور والحجارة هو المعيار؟! من قال أن الشجرة اهم من الصخرة والنباتات اهم من الحشرات في طبيعة ترتبط فيها كائناتها ببعضها وتعتاش من بعضها بشكل دائري لا فكاك منه وليس فيه أول وثانٍ ولا مهم ولا أهم.
لطالما بدت فكرة «تخضير الشركات» كذبة كبيرة. كما بدعة «مسؤولية الشركات الاجتماعية» التي تعني تقديم بعض المساعدات لما يُسمى المجتمع المدني، بدلاً من الالتزام بإجراءات قاسية لوقف التلوث وحماية العمال والسكان المحيطين. تعتبر فكرة «التخضير» أصلاً، «تخضير الشركات» التي طرحت في الثمانينيات وتخضير الاقتصاد التي طرحت منذ أعوام قليلة، كما اخترعها الغرب، المحبّ للاستثمار... فكرة غير بيئية بحد ذاتها. فالحدائق والجنائن والبساتين والمزروعات... الأكثر اخضراراً، هي التي استخدمت مخصبات ومبيدات كيميائية كثيرة في تربيتها، وهي بالتالي معادية تماماً للبيئة. وقد كان على العالم ان يخرج من دهشة الاخضرار الزائف في بداية السبعينيات بعد كتاب راكيل كارسون «الربيع الصامت» التي أظهرت فيه بشكل حاسم وللمرة الأولى (ربما) أضرار ما سُمّي «الثورة الزراعية» واستخدام المبيدات الكيميائية.
يقال ان الترابة باتت عنصراً مهماً من عناصر الحضارة الانسانية، يحتاجها كل إنسان في أعمال البناء، الخاصة او العامة... ومن السذاجة بمكان نقد إنتاجها او التفكير في الاستغناء عنها او العودة الى ما قبلها. وهذا صحيح. ولكن، للأسباب نفسها، ونظراً للأهمية الاستثنائية لهذه المادة، ولكونها باتت من صلب الحضارة الانسانية الحديثة، فلماذا لا يتم وضعها تحت إشراف الدولة المباشر، فتصبح هذه الاخيرة هي المؤتمنة على تأمينها وتنظيم عملها والاستفادة من عائداتها وتحمل مسؤولية معالجة اضرارها؟ لماذا يترك امرها الى شركات خاصة لا تبتغي الا الربح، وتمنّن بعض المجتمع بتوزيع بعض «المكارم» من هنا وهناك... وتتسبب بالتالي في إضعاف موارد الدولة ودورها في المجتمع وفي حماية الطبيعة بشكل عام؟
قد نستغني عندئذ عن تطبيق مبدأ «الملوّث يدفع» المخادع والمخالف لمبدأ الاحتراس الذي يجب ان يمنح الأولوية ... كما يمكن الاستغناء ربما عن الإعلام «المحبّ» للبيئة أيضاً.
 

← Back to Selected Articles