قراءة لبنانية لصفقة جنيف - غسان العياش (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا مواعيد سورية برسم اللبنانيين، في الوقت الحاضر.
لا استحقاقات سورية في الأفق تبّرر لأي فريق أن يعطّل البلاد ويجمّد المؤسسات ويرهن الحياة السياسية، بانتظار حدوثها «الوشيك». ففي المدى المنظور، لا النظام سيسحق «المتمردين» ولا الثورة ستخترق دمشق أو تسيطر على حلب، ولا حل سياسياً قريباً برعاية دولية. لأن صفقة السلاح الكيميائي بين الأميركيين والروس انتزعت ما يراه الأميركيون موضوعاً ملحاً ومتفجراً، وفصلته عن باقي عناصر النزاع السوري، التي انتقلت إلى مراتب متدنية من الاهتمام الدولي، الأميركي على الأقل.
الحرب بالنسبة إلى واشنطن، بثلاثة أرباعها على الأقل، هي حرب مع السلاح الكيماوي السوري، لأنه يهدد إسرائيل، مثلما كان اجتياح العراق حرباً وقائية عندما بات تطوّر القوة العسكرية العراقية تهديداً محتملاً لإسرائيل. هذا كلام يصدم المقتنعين بإعلان النصر الذي أطلقه وزير المصالحة الوطنية في سوريا السيد علي حيدر، لأنه يعني أن الذهبية الأولى في الحرب السورية فاز بها العدو الإسرائيلي، بعد كل التضحيات والضحايا والشهداء.
أميركا مصرة على امتلاك إسرائيل وحدها أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وبطريقة مستفزة معظم الأحيان. قبل يومين فقط من اجتماع الوزيرين كيري ولافروف في جنيف لبحث سحب الترسانة الكيماوية السورية وتدميرها، باعتبارها خطراً على المنطقة والعالم، نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» اليمينية الإسرائيلية عن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية معلومات للمخابرات المركزية الأميركية، تؤكد معرفة الولايات المتحدة بوجود ترسانة كيماوية ضخمة في إسرائيل جرى تطويرها منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وأن أميركا تأكدت من وجود هذه الترسانة منذ سنة 1983. ويبدو من المعلومات التي نشرتها «فورين بوليسي» أن إسرائيل عجّلت في تطوير ترسانتها الكيماوية إثر حرب 1973، عندما فوجئت بالهجوم الذي شنه الجيشان المصري والسوري عليها في «يوم الغفران».
الغاية من هذا الاسترسال لفت نظر القوى اللبنانية الفاعلة إلى أن الصراع السوري مستمر في المدى المنظور، ومن يعرقل تشكيل الحكومة أو يكبّل النشاط البرلماني بانتظار حدث سوري كبير فهو مخطئ، لأن الأزمة السورية تراجعت أهميتها بمجرد تأكد الولايات المتحدة من أن إسرائيل لم تعد تحت الخطر الكيماوي السوري. وذلك مشروط، طبعاً، بتنفيذ صفقة جنيف، التي اتصل بنيامين نتنياهو بجون كيري عشية مباحثاته مع لافروف، ليحثه على التمسك بها وعدم التفريط بالفرصة التي توفرها، وفقاً لما نشرته «وول ستريت جورنال» الاثنين الماضي.
بعد تحقيق الهدف الكيميائي، تقدّم النووي الإيراني على الحل السياسي للأزمة السورية، وهذا سبب إضافي لتأجيل البحث بجنيف 2. يبدو الرئيس أوباما الآن مزهواً بالنتائج التي حققتها سياسة التهويل بالقوة، التي نجحت في الملف السوري، ويريد أن يجرّبها حيال إيران، لعله يعقد معها صفقة توقف تطوير البرنامج النووي الإيراني عند الحد الذي وصل إليه. وها هي إسرائيل تحث الرئيس الأميركي على متابعة المعركة، ليس في سوريا، بل مع إيران، فيضرب الحديد وهو حام. هذا ما عبّر عنه رئيس حكومة إسرائيل، وما صرّح به خصوصاً يوفالشتاينتز وزير المخابرات الإسرائيلي، وهو الممسك فعلياً بالسياسة الخارجية الإسرائيلية منذ أن أحيل الوزير ليبرلمان إلى القضاء، مكبلاً بقضايا الفساد المخزية التي اتهم بها.
ومن حسن حظ عقيدة أوباما القتالية الجديدة أن لها فرصة للنجاح في إيران، ليس بسبب خوف إيران من التهويل العسكري الأميركي، بل لأنها تكاد تختنق بفعل العقوبات الاقتصادية الغربية، التي فعلت فعلها في الأشهر الأخيرة، مما سمح بوصول الرئيس حسن روحاني إلى رئاسة الجمهورية، حاملاً برنامجاً لتحسين العلاقة مع الغرب وإنهاء الملف النووي. وللسبب الاقتصادي هذا، على الأرجح، حظيت شعارات روحاني وبرنامجه التصالحي وبشكل غير متوقع، بتأييد علني من مرشد الثورة السيد علي خامنئي.
خلاصة القول إن دوي المدافع وأزيز الرصاص قد لا يتوقفان في سوريا قبل عقد صفقة أميركية إيرانية مماثلة لصفقة كيري ولافروف في جنيف، إلا أن هذا الأمر قد يتطلب وقتاً غير قصير.
فهل ينتظر لبنان هذه الحلول بتشريع معطّل، وحكومة مستقيلة، وأخرى موعودة، واقتصاد متهافت، وإدارة سائبة، ومالية متخبّطة، وأمن مهدد ومستقبل مجهول؟
القرار لأصحاب القرار.