ولاية الاسد - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كاد الرئيس بشار الاسد في حديثه الى محطة تلفزيون "فوكس" الاميركية يترك الانطباع بانه يطلب مبلغ مليار دولار ثمنا لمخزون الاسلحة الكيماوية السورية، الذي وافق على تسليمه من دون شروط مسبقة، ما افسح المجال لسيل من الاجتهادات المتناقضة حول الابعاد السياسية للاتفاق الاميركي الروسي على تدمير ذلك السلاح المحرم.
لم يكن الاسد يثير الشكوك في التزامه التام بمضمون ذلك الاتفاق، بل على العكس، كان الحديث للمحطة الاميركية مناسبة لتجديد تعهده بالتخلص من ذلك المخزون الذي كان ذخراً للنظام فصار عبئا عليه بعد مجزرة الغوطة الشهر الماضي. لكن رقم المليار دولار الذي اطلقه ونسبه الى الخبراء، وكذا التقدير بان العملية يمكن ان تستغرق عاما كاملا، لم يكن عبثاً.. لا سيما وانه يدفع الكلفة المادية والمهلة الزمنية الى حدود المبالغة القصوى، ويوحي بانه يستكشف المزيد من الفرص التي يمكن ان يوفرها ذلك التنازل الاستراتيجي السوري.
يمكن ان تصل الكلفة فعلا الى مليار دولار والمهلة الى سنة كاملة، اذا ما جرى التباطوء والتساهل في تنفيذ الاتفاق، الذي قدر خبراء اميركيون واوروبيون الا تزيد كلفته الاجمالية على 200 مليون دولار والا تزيد فترته الزمنية على ثلاثة اشهر، كحد اقصى، حتى ولو جرى تلزيمه الى وكالة الامم المتحدة المتخصصة بنزع الاسلحة الكيماوية، لا الى دول ومؤسسات اميركية او روسية متخصصة، سبق ان تولت خفض التسلح الاستراتيجي السوفياتي في تسعينات القرن الماضي بمبالغ زهيدة نسبيا.
كان الاسد يسأل بشكل ضمني عن المقابل الذي سيحصل عليه جراء تعهده الجدي، حسبما اكد للمحطة الاميركية، بالتخلي عن السلاح الكيماوي، وما اذا كان يستحق على سبيل المثال جزءا من المليار دولار المطلوب، وتفويضا بتمديد ولايته الرئاسية الثانية التي تنتهي في نيسان ابريل من العام المقبل..حتى يشرف على تنفيذ الاتفاق او ربما حتى لا يعرقل ذلك التنفيذ. والسؤال في هذه الحالة طبيعي، لان الاميركيين والروس لم يفصحوا حتى الان عن خطوتهم التالية، بل اكتفوا بالالتزام بتخليص سوريا والعالم من احد اخطر اسلحة الدمار الشامل في موعد اقصاه منتصف العام المقبل، والايحاء بانهم ينوون السعي الى عقد مؤتمر جنيف 2 في الخريف المقبل.
لم يطرح احد حتى الان انعقاد ذلك المؤتمر بصفته شرطا مسبقا للشروع في ازالة الاسلحة الكيماوية السورية، وان كان الجدول الزمني للاتفاق الاميركي الروسي يتيح مثل هذه المناورة خصوصا وان بنده الاول الخاص بتسليم الخرائط والعناوين وانتشار المفتشين الدوليين يمتد حتى منتصف تشرين الثاني نوفمبر المقبل.. وهو الموعد المقترح لجمع السوريين الموالين والمعارضين حول طاولة واحدة، يفترض حسب الاميركيين والروس معا ان تحسم مصير الاسد، وما اذا كان يستطيع الترشح لولاية ثالثة في الربيع المقبل.
لا يقدر الاسد ان يخرق الاتفاق الاميركي الروسي او ان يطلب تمديده الى ما بعد منتصف العام المقبل، لكن يمكنه ان يحاول، قبل ان يصبح ذلك الاتفاق قرارا رسميا لمجلس الامن الدولي، يرجح ان يقتصر على توفير غطاء شرعي للجانب الاجرائي من عملية نزع السلاح الكيماوي السوري، من دون ان يجيب على السؤال السياسي الجوهري حول مستقبل الرئيس السوري .. وهو السؤال الذي سيتحول من الان وحتى الربيع المقبل الى بند رئيسي على جدول الاعمال الدولي، وطبعا الى هدف مركزي لجميع المعارك المقبلة على مختلف جبهات الحرب السورية، التي ستزداد حدة وضراوة.
لم تكن الصفقة الاميركية الروسية كيماوية فقط، لكن فتح النقاش حول كلفتها المالية ومهلتها الزمنية، ليس اجرائيا فقط. موازين القوى على الارض السورية لا توفر حتى اللحظة الرد المناسب على التحدي الاميركي الروسي المشترك الذي كان ولا يزال مطروحا بعد ثلاثين شهرا على بدء الازمة في سوريا: اذا توافر البديل، يمكن الا يكمل الاسد ولايته الثانية؟