المقام الأخير - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أوضحت بكركي أن ما تقدّمه مذكرة، لا وثيقة. فالوثيقة الوطنية الوحيدة هي الدستور، والمذكرة تشديد عليه وتصحيح للإخلال به. أو لعلها تنبيه إلى الاختلال شبه التام في مفاصل البلد. يحدث الاختلال في الآلة عادة مرة واحدة. ساعة جدار تعمل عشرين عاماً بدقة الدقائق، ثم فجأة تتوقف. ضرَبَها المَلل، أو سئمت تذكير أهل المنزل بمعنى الوقت.
سئم هذا الوطن تذكير الناس بمساوئ ومصائب الاختلال في آلة الميثاق. لم تنفع حربه الكبرى ولا نفعت حروب الجوار. لا اعتبَر من مآسيه ولا من مآسي سواه. لا من نزوحاته، ولا من نزوحات غيره. حال هبوب دائمة لا تهدأ ولا تستكين. كان الخراب على الأبواب فصار داخلها. والبلد يعجز حتى عن تشكيل حكومة. يتحوّل المصير المعلّق إلى حقيبة. والميثاق إلى حقيبتين. والأمن إلى ثلاث.
كنّا نختار للخناقة عناوين أكثر فخامة في الماضي. نستعير تعابير الأمم لنغطّي بها طُرق الزوال والاختلال. كـ"القطيعة" مثلاً. أو "الشأن العام". مفردات فضفاضة لغايات مزعومة. الصراحة أفضل وأكثر اختصاراً للوقت. لا تنسَ ساعة الجدار.
عرضَت LBC صوراً لعيادات طبيّة ومؤسسات تجارية تضع على أبوابها أسماء الطوائف التي تقبل التعامل معها. دائماً كانت الطائفية والمذهبية غلاً في النفوس، لكن القباحة لم تكن يوماً بهذا الإعلان. حتى البشاعة والدمامة الخُلقية لم تعد عيباً. ثقافة الموت والانتحار. القتل والانتحار سيّان. ولغة الرفض صارت لوحات على الأبواب.
انقسم البلد من دون إعلان: عرسال والهرمل. التبانة وجبل محسن. صيدا وحارة صيدا. والضاحية الجنوبية مزنّرة بالحواجز، ومثلها، مثل طرابلس، مثل عرسال، مثل بيروت، مثل صيدا، مثل الهرمل، محفوفة بالخوف من الآخر، ذلك الذي كان بالأمس جاراً أو صديقاً أو شريكاً تحت هذا السقف المتداعي.
أيهما أسوأ: التقسيم أم التقاسم؟ السوء ليس فيه أفضليات وأولويات. ليس فيه سوى السوء. ولا درَجات فيه، لأنه عام، مثله مثل الكيد والنكاية والنكَد. مثله مثل اليأس والهجرة والفقر والخراب. هذه الجُزر المتضاربة لم يعد يجمع بينها سوى حياة الفزَع. كل شيء صار فوق طاقة الدولة وفوق طاقة الوطن. البطالة التي يقول وليد جنبلاط، بتحفّظ شديد، إنها 22%، أي ربع العاملين، من غير أن يحسب نسبتها المريعة بين نحو مليوني عربي آخر صاروا جزءاً من الحال السكانيّة، بحاجاتهم ومشاكلهم ويومياتهم البشرية.
مذكّرة بكركي وسط كل هذا التحلّل عمل رقيمي. وخصوصاً لكونه وطنياً غير طائفي. ففيما يعود السياسيون إلى اللغة الطائفية المهلهلة، يتحتَّم على بكركي أن تستدرك الخروج على حُسن السبيل. مُفزع ريبورتاج LBC عن اللوحات الطائفية على أبواب الأطباء والمحامين. عرفنا همجيات كثيرة من قبل، لم تكن هذه بينها. هذه نفوس مريضة وخارجة على القانون.
غير أنها تعكس حال التردّي العامة. تعكس التفكك الاجتماعي والسياسي والوطني وفوقه الانحلال القومي الذي يتمرّغ في تراب العرب. لقد شهدنا نكسات وويلات وخيبات كثيرة لم تكن جميعها في مثل هذه الفظاعة من الطِباع والنيات والمسالك. ما يحدث في سوريا وفي العراق هو قضاء على الشرق كحديقة للأعراف والمعتقدات والثقافات. ليس صحيحاً أن لبنان هو الحديقة. لقد ظنّته الناس كذلك بسبب الحرية التي يتمتع بها والديموقراطية التي يتظاهر ببعض وجوهها. أما الحقيقة فإن المزهرية الكبرى كانت سوريا، قبلها العراق: نحو ثلاثة ملايين كردي، ومليون تركماني، وعشرات الآلاف من الشركس والأرمن، بالإضافة إلى مليون مسيحي، أي ما يزيد على عددهم في لبنان. كل ذلك تفتَّت الآن. أراد البعث أن يصهر كل هذه الجذور، في العراق وسوريا، في نزعة واحدة، على الطريقة السوفياتية، فكانت النتيجة على الطريقة السوفياتية أيضاً. كل فريق الآن يريد أن يأخذ نفسه ويمضي. أكراد العراق لن ينسوا غارات الميغ وكيماوي حلبجة، وأكراد سوريا لن ينسوا الإهمال المزمن. عادةً المصيبة تجمَع، لكنها في الشرق، حتى هي، تفرّق أيضاً. ندفع اليوم، بطرق وأشكال كثيرة، أثمان نصف قرن من سوء الظنّ وسوء الإدارة وسوء النيات. العراق واحد من أغنى دول الأرض (بلاد ما بين النهرين)، ويعيش باقتصاد دولة ضعيفة. لجأت "الثورة" إلى التأميم وهي تعوم على بحر من النفط ومحيط، من المياه، وكوكب من الخصب. وسوريا التي كانت تصدِّر القمح إلى إيطاليا، بلاد السباغيتي، صارت تطلب ربطات الخبز من لبنان. أول ازدهار لبناني واسع النطاق كان أحد أسبابه المال السوري الذي هرب من التأميم القائم على أفكار رومانسية وسياسات تعسفية. فيما خلَت دمشق من مصرف تجاري واحد، وصارت عملتها في السوق السوداء، كانت جارتها بيروت تحتضن من المصارف التجارية أكثر من نيويورك: أكبر ثلاثة مصارف أميركية صارت تتنافس هنا: تشيزمانهاتن، سيتي بنك، وبنك أوف أميركا. وكان ينافس الثلاثة موسكو نارودني بنك، الذي حاول، بكل الوسائل، شراء الميدل إيست وبنك إنترا.
فيما كانت شركات الطيران المصرية والعراقية والسورية تُدار بعقلية التأميم وخسائره، كان نجيب علم الدين يدير "إحدى أهم شركات الطيران في العالم". قرّاء "الصنداي تايمس" انتخبوها "أفضل شركة طيران في أوروبا". على رغم رمز الأرزة وجغرافية الاسم. على أن لبنان سوف يدفع ثمن هذا النجاح حرباً يشارك فيها كل من ساءه ذلك. كان النموذج أكثر من أن تتحمله المنطقة. ولأنه ظلّ خارج مضاعفات وآثار النكسة السياسية والعسكرية، تقرر أن يتحوّل إلى جبهة دائمة. وبسقوطه لاحقاً في مستنقع الحرب الأهلية، سقط في الشرق آخر النماذج القائمة على حرية الرأي، وحرية الاقتصاد، وحرية التعليم، وحرية المعتقد. كانت القاعدة، على ضعفها أو هشاشتها، هي الدولة المدنية المنفتحة والمتعددة، الغنية بثقافات الغرب والشرق، وليس على قاعدة إيديولوجية اختبارية تجريبية، تنبذ كل ما ومَن هو خارجها.
ظلّت الرئاسة اللبنانية بعد الحرب، رمزاً للتعدّد الماضي. ليس بسبب هويتها الطائفية، بل بسبب تمثيلها الطوائفي. فقد جرّد الطائف الرئيس من صلاحياته التنفيذية السابقة، لكنه لم يستطع أن يجرده من مكانته الدستورية كمرجع وحكم يوازن بين أطراف متنازعين على الدوام، كما هي الحال في هذه الضائقة المريرة التي يمرّ بها الرئيس ميشال سليمان، ونمرّ بها جميعاً معه.
لذلك، كان المطلوب في الرئيس دائماً، أن تكون قوّته في حكمته، وأن "تكون آلة الرياسة سِعة الصدر" كما في قول الإمام علي. والدور الذي كان لبكركي، سواء في مراحل الانتخاب أو بعدها، كان أشبه بدور الرقيب الروحي. فسمعة الرئاسة ومكانتها من سمعتها ومكانتها أيضاً. وطالما اختلف البطريرك مع الرئيس عندما رأى أن القيم الجمهورية – لا الطائفية – يعتورها اختلال وطني، أو تشوب لغتها نقوص في مستوى الرفعة وواجب الترفع.
أشكال الحرب القائمة كثيرة، ووجوهها كالحة. نتمنى ألا تكون الرئاسة سبباً إضافياً بدل أن تكون المرسى في هذه الفوضى. وربما كان على بكركي أن تساعد، لا في الانتقاء، فهذا عمل الدستور والبرلمان ولكن في إقناع الموارنة بأن ما نحن فيه هو فرصة أخيرة، وليس مجرد مرحلة خطيرة. فرصة ليس للمرشحين والسياسيين، بل للوطن والدولة ولآخر مواقع المسيحيين في الشرق. من 66 ألف مسيحي في حمص هناك 60 الآن.
تهجير المسيحيين لم يبدأ في كنائس الموصل، بل بدأ في القدس وكنيسة القيامة. ولم تعد المسألة سياسات صغيرة وكلاماً صغيراً ومحليات فولكلورية للمواسم، بل لعله الموسم الأخير. ليست رئاسة الجمهورية أهم من رئاسة الوزراء ولا من رئاسة البرلمان. ولكن لا يجوز أن تُعامل مثل رئاسة الحكومات المتغيرة، والتي لا مدة لولايتها. مع العلم أن ما حصل مع رجل في مرتبة تمّام سلام ظُلْم مفضوح وإساءة مُعلنة إلى هذا الوطن في جميع مرابعه ومربعاته، وإلى هذا الشعب في جميع أكياسه الرملية وحواجزه ورعبه المتنقل.
لا يمنعنا، هذا العتم القابض على صدورنا جميعاً، من تحية الصابرين الكبار، رجل دولة مثل نبيه بري، أو رجل وطن مثل وليد جنبلاط. كلاهما تجاوَز كتلته وموقعه وقرر أن يقود جمهوره، لا أن يُقاد به. كلاهما تجاوز كل ما هو شخصي. وليست هي المرة الأولى، لكنها اللحظة الأكثر دقّة. المرحلة لا تحتمل وتراً إضافيا ولا توتراً مضافاً.