لعبة ليخة - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ذات يوم كتب نزيه خاطر إلى قرّاء السينما، بدل قرّائه في الرسم، قائلاً اذهبوا وشاهدوا "ليلتي عند مود"، فيلم إريك رومر. في السبعينات كانت الأفلام، وخصوصاً روائع رومر، تحفظ بهاء النص وشاعرية الحوار. يتداول البطل جان لوي مع المرأة مود شؤون الأدب والحياة، فيقول أحدهما للآخر (لا أذكر مَن) نقلاً عن بليز باسكال "إن الحياة تَقَلُّب دائم". كأنما مفكّر الكثلكة استقى حكمته من قدَر لبنان، حيث ينقلب الرجال وتنقلب الأحوال ولا يدوم حال على حال.
عندما كلف تمام سلام بأكبر أكثرية إجماعية، اعتقدنا أن التأليف تلقائي، لكن كل شيء انقلب. وعندما طرحت 8 آذار شروطها وردّت 14 آذار بالتحدّي، بدا أننا لن نرى حكومة أخرى: ثمانات على تسعات على ستات و"اكسروا" بينها. دقّ "ليخة" ضارب أطنابه. وبين ضحاها وليلة (تمشياً مع التقلّب) تحوّلت المسألة كلها إلى "باصرة". تسعة بتسعة والقاشوش يكسب.
يبدو الأمر مسلياً لولا أن الاقتصاد محطّم والنفوس مُرتعدة والانتحاريين مصرّون على نقل لعبة القتل والموت عبر الحدود المفتوحة في الاتجاهين. أمضينا العمر نطلب من سوريا ضبط حدودها والاعتراف بحدودنا، فلما اقتنعت أخيراً بأن للبلدان (عادة) حدوداً، كان كل شيء قد اختلط بالخراب والدماء، وصارت الأسماء العلم، القصير وعرسال بدل المصنع والعبودية.
في لعبة "الليخة" يحق لك أن تعرف النتائج، لا السبب. فأسباب الربح والخسارة قدَر. ولماذا تربح أنت دورة، وتخسر دورة، حظّ. تفضّل العب. لماذا كانت وزارة الاتصالات قضية وكانت الطاقة سرّ الخلاص ومجيء المسيح؟ لم نعرف. لماذا لم تعودا في الضرورة الاستراتيجية التي مدّدت للجنرال إميل لحود ووَعدت بإنقاذ مسيحيي الشرق؟ أيضاً لم نعرف. لماذا كان الاعتدال خيانة والوسطية "سقّايات" ولماذا صارا دحّة دحّة؟ اسأل بليز باسكال
Renversement perpétuel!
هذا – للمناسبة – انقلاب لذيذ. دعك من الاسباب، لأنها ممنوعة عليك في أي حال. أما النتائج فماذا تريد أفضل من ذلك؟ قد تقول ولكن المسألة ليست لعبة سياسية لأن الناس تموت، ورجل مثل محمد شطح يقتل بموجب القاعدة نفسها، أي النتيجة بلا سبب، والبلد يخترب ونحن صرنا نرفض وزارة الخارجية التي كانت، ذات يوم، لفيليب تقلا والبير مخيبر وشارل مالك وحسين العويني ورشيد كرامي. قد تقول حسناً، قل. وقل ما تشاء. فمتى كانوا يسمعون.
غداً يأتي بليز باسكال وتتغير الأمور. لكن المشكلة أن الأمور "على الأرض" لا تتغير. على الأرض يغيِّر النازحون السوريون الواقع الديموغرافي. وتتغير هويات وخرائط وحياة المدن. والذين كانوا يهددون الدولة ويسكِّتونها كلما طالبت بالرقابة على المخيمات، صاروا يؤنِّبونها، أين انتِ يا دولة عن نعيم عباس؟ أين سياج الوطن؟ أين حالة الأمن؟ صحيح. صحيح. أين؟
لا ندري. نحن عُوِّدنا على ألاّ نسأل. الصمت زين والسكوت سلامة قالت حكمة العرب. "اليد التي لا تستطيع أن تعضها بوسها وادعِ عليها بالكسر". ألف قلبة ولا غلبة". وترجمتها Renversement perpétuel.
يمضي جان لوي عند مود ليلة بيضاء. حكي على حكي، تقلب في السرير منفردا. من يدري. لعل الحبكة مأخوذة من "ليال بيضاء" لدوستويفسكي، ولكن معكوسة. في بطرسبرج الرجل هو الهائم الفاشل، هنا السيدة مود هي صاحبة الخافق المعذب، فزوجها وضيفها يحبان فرنسواز. تباً لها. وتباً هنا بمعناها العربي، وليس كما ترد في ترجمة الأفلام الاميركية، وحواراتها. وأين زمن اريك رومر، والآن، رينيه ومارسيل كارنيه وتلك "الموجة الجديدة" التي دخلت حياتنا يومها بأرقى ما في الأبيض والأسود؟
سواد الآن. كله سواد. "الموجة الجديدة" هي موجة الثور الهائج خلف القماش الأحمر. لا قيمة للحياة ولا حرمة للموت واختراع "الشهادة" بوسع جيوش الثكالى في كل مكان. خسر العراق نحو مليون رجل في حرب ايران، والآلاف في حرب الكويت، وربما نحو مليون منذ أن قرر جورج دبليو بوش البحث عن "أسلحة الدمار الشامل" بين النهرين. كان يصغي إلى دونالد رامسفيلد الذي من شيكاغو، والذي كان يحلم بأن يصبح رئيساً. لو أصبح فعلاً، لدخلت أميركا حرب فناء الأرض. تُقرأ مذكّراته (ليس لضِعاف القلوب) على أنها صورة للاختلاف في دولة من 300 مليون بشري. أوائل القرن العشرين يظهر جورج أف. كنان، الذي يرى أن الحل الوحيد في صراعات العالم، هو الاحتواء، وفي أواخره يظهر دونالد رامسفيلد، أخرق، متهوّر، عُنفي، وُصولي، وبلا أي ضوابط أو تورُّع. وَصَف نفسه وصفاً دقيقاً عندما سُئل بعد حضور مسرحية في براغ، عن رأيه فيها فقال: "لست أعرف بالمسرح. أنا من شيكاغو".
ابتُدعت الديبلوماسية لكي تحل محل العنف والموت والغرور. العرب كانوا يسمّونها العفو. والنبي عندما سُئل إن كان هناك ما هو أعظم من الحق، قال أجل، العفو. يُقابل دونالد رامسفيلد عند الأميركيين سيرغي لافروف عند الروس. الرعونة أفقدت روسيا جارتها الأوكرانية. الحَمَق والغرور أهم الأسباب في فقدان الكنوز. أوكرانيا تجربة في الرعونة تتكرّر بأشكال كثيرة منذ حرب القُرم. بنى ثلاثة قياصرة كنيسة المخلّص في موسكو كأعظم تُحفة من تُحف التاريخ. ثم جاء ستالين فدمّرها أيقونة أيقونة وحجراً حجراً، وبنى فوقها استاداً رياضياً. هو وحده المخلّص. هو المُنقذ. على خُطاه يسير فلاديمير بوتين. صدّق أن الديبلوماسية هي الفيتو وأطلق وزيره يرفض كل شيء حتى إرسال الأرغفة إلى محاصَري سوريا. فجأة ظهرت كييف تطرد يانوكوفيتش كما طَردت بلغراد سلوبودان ميلوسيفيتش من قبل.
داس سيرغي لافروف الإرث الأرمني الذي ينتمي إليه. على ذكرى مجازر 1915 وعذابات أرمينيا. كان دور الأرمن في الكرملين أيام السوفيات قرع جرس التوازن. بالتعقّل ارتبط اسم أنستاس ميكويّان. لافروف نقيض سافر لتاريخ من المُعاناة البشرية. "التاريخ الأرمني المأسوي شجرة تُرفرف بظلالها فوقنا في كل مكان" قال الكاتب بانوسيان. ليس فوق الرفيق سيرغي.
انقلاب لذيذ في لبنان، إذاً. الجميع يرحّبون بالوسطية، وربما سمحنا بالمرور للاعتدال بعد التدقيق في هويته والتأكد من أنه ليس ضرباً من الاعتداء والخيانة. كان الفيلسوف الفرنسي أنطوان غونو يقول "نحن لا نحلّ المشاكل، فقط نغيِّر مواقعها". "فن التوضيح" يقول غونو "مثل فن التفاوض، لا ينطوي غالباً على أكثر من زحزحة الصعوبات لا حلّها". هذا كان دأب البيانات الوزارية في الماضي. ليس الهرب من المشاكل القائمة بل تفادي الدخول في مشاكل إضافية. هناك لغتان أمام كل قضية. اللغة الأكثر سهولة بينهما، هي التفجير. لغة العقل ليست هينة. والحوار فن وآداب حتى في السينما. أدخل اريك رومر في ذاكرتنا مفهوم التقلب المستمر من خلال حوار لن يفضي إلى شيء اثناء تلك الليلة القيمة عند مود.
المقارنة بين رعونة دونالد رامسفيلد ويباس سيرغي لافروف، ليست من أجل التوازن وتصنع الحيادية، لا تستقيم شروط الموضوعية حين يحضر العنف والخراب تحت الرايات الاجنبية، مغطى بعلم الأمم المتحدة، أو عارياً مثل صدر بوتين في دورة سوتشي. لا يبعث على السرور أن يخسر الروس في اوكرانيا، التي بعثت اليهم من قبل بنيكيتا خروشوف وليونيد بريجنيف، لأننا لا نعرف بعد إلى أين سوف تنتهي الأمور، ولكن لعل جرس الديبلوماسية يقرع في الكرملين: هناك حلول غير القوة والغطرسة ومتعة القهر.
لم تكن أهمية جورج اف كنان في أنه عرف محدودية الإتحاد السوفياتي، بل في أنه عرف محدودية أميركا على رغم تفوقها المالي والعسكري والصناعي والثقافي اوائل الحرب الباردة وقبلها. رأى مبكراً أنه في عالم متغير وشديد التعقيد. وكتب في إحدى يومياته العام 1927: "كم أنا آسف لأنني لم آتِ إلى هذا العالم قبل 50 أو مئة عام. فالحياة في هذه الأيام يصعب فهمها لشدة ما هي مكتظَّة. إننا نعيش في مدن كثيرة فلا نعود متعلقين بواحدة... ولنا اصدقاء كثيرون فلا تعود لدينا صداقة حقيقية، ونقرأ كتباً كثيرة فلا نعود نفهم احدها كما يجب، وقدرتنا الانطباعية تحل محلها قدرتنا العددية بحيث تمر أمامنا مشاهد الحياة سريعة كما لو أننا في فيلم سينمائي".
من منّا قادر اليوم على متابعة اخبار لبنان والعرب؟ ولولا اوكرانيا لكان هذا العالم كله بلا اخبار. نحن المنطقة الوحيدة التي تدورفيها كوارث الأرض. لا شيء بالمقارنة في بقية القارات. صحف العالم خالية تقريباً من "الأخبار الدولية". والمراسلون السياسيون شبه عاطلين عن العمل في اميركا اللاتينية وافريقيا وآسيا. نحن منطقة الحدث الوحيدة. يانوكوفيتش يسافر والرئيس بوتفليقة يُعلن ترشيحه لمرة رابعة. أو بالأحرى رئيس وزرائه يُعلن الترشح، لأن الرئيس غير قادر صحياً على الظهور. سوف يفعل ذلك في الوقت المناسب. لكنه لن يقوم بحملة ولن يخطب ولن يتحرّك. آخر مرة التقيت الرئيس الجزائري في أبو ظبي قبل سنوات، قلت له "ماذا يفعل القذافي بنفسه؟ هل لاحظت كيف يسوّي وجهه؟". لم تعجبه الملاحظة وقال في حدّة واختصار: "العمر".
يبدو أن العمر العربي لا يتوقف في كل مكان. لقد أدّى بوتفليقة للجزائر خدمة تساوي الاستقلال. حمَل إليها المصالحة والوئام. وكان هذا في الولايتين الأولى والثانية. في الثالثة بدأ يتعب. ولم يعد شعبه يراه. وحتى وزراؤه ومساعدوه. لكنه مصمم على خوض "المعركة" مرة رابعة. تقليد عربي قديم: الرئيس يَرث نفسه إذا لم يكن لديه من يرثه ويرث الجمهورية.