Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

هزيمة المستقبل العربي - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 بدا المستقبل العربي في بداياته برّاقاً. لبنان المستقلّ بين كتلتين برلمانيتين، تستسلم إحداهما لقانون الخسارة والهزيمة وتشتركان في تفسير واحد للدستور. وفي مصر يتنافس الزعماء على محبّة الناس. وفي سوريا تقدّم دمشق الشهداء لطرد الاستعمار ثم تقلّد نظامه الديموقراطي. وفي العراق عشائر كثيرة يجمَع بينها القانون. كانت هناك أنظمة مدنية في كل مكان ولا قبعات عسكرية ولا عمائم. ونهرو يكتب إلى ابنته أنه سوف يقلِّد حزب الوفد المصري. والدول فقيرة لكن الناس قانعة لأن الفساد شبه معدوم. والحلم للجميع. جاء أدونيس إلى حفل يحضره شكري القوتلي يرتدي قنبازاً وألقى في الحفل قصيدة، فسأله الرئيس السوري بعد الانتهاء، ماذا تريد؟ قال له أريد أن أتعلّم لأنني لم أرَ مدرسة بعد.

كان الحُلم للجميع لا لأبناء الحزب. وصحيح أن مصر كانت مليئة باشاوات، لكن زعيمها النحاس ما كان يملك ثمن العلاج. وفؤاد شهاب كان مباشراً في محكمة جونية. والناس كانت خفِرة ومؤدَّبة. والجريمة كانت فردية، إذا حدثت. كانت هناك دول وشعوب تقف جميعها على عتبة أفق فسيح يُدعى المستقبل. والناس تثق بساستها وتحبّهم وتعرف أنهم يعملون مناصفة لها ولأنفسهم. وتشعر في قرارتها أنهم يخافون الله، ومن لا يخافه يستحي من ضميره ويخاف على سمعته وكرامته.
لم يطُل هذا الزمن. أطلّ العسكريون بالدبابات. علّقوا الدساتير على حبال الغسيل، وجلسوا بجزماتهم فوق القضاء، وحوَّلوا القوانين إلى خِرَق بالية. مضى زمن فيه محاسبة ومؤسسات وقضاء وخوف الله، وجاء زمن فيه رُعب السجون. غابت الأصول والأعراف والمعايير والمقادير. تحوّل كل شيء إلى عبث وصراعات وفظاظات وقسوة وعنف عام تُساق به الشعوب نحو صمت واحد.
ظلّ الانهيار يتوالى حتى لم يبقَ شيء من المستقبل فوق التراب. عندما بقي لبنان من دون رئيس للجمهورية العام 1989، كان وجه العالم يتغيَّر. الاتحاد السوفياتي يهوي بلا هدير والأنظمة المدنية تحلّ في كل مكان بكل هدوء، ولبنان غير قادر على انتخاب رئيس للجمهوية. الكتلتان المدنيتان اللتان ظهَرتا في الاستقلال تحوّلتا إلى كُتل دامية. مسيحيّو الجامعات والكليات والمعاهد يتبادلون المدافع عبر الشُرفات.
بعد ربع قرن، لبنان بلا رئيس والجمهورية بلا رأس. ومصر برئيس موقّت هو، للمناسبة، رجل قانون فاضل. والعراق لا أحد يعرف أين هو رئيسه ومَن سيكون رئيس وزرائه. والجزائر يصوّت رئيسها لنفسه على كرسي متحرّك. والرئيس السوداني لا يزال يُرسل إلى السجون الرؤساء السابقين. وليبيا بلا رئيس أو برلمان أو حكومة أو جيش. واليمن صراع يومي. وسوريا ذاهبة بمُطلق الحرية والسعادة والهناء تجدّد لرئيسها، إلا الذين لا عناوين دائمة لهم. نصف البلد تقريباً أقل قليلاً أو أكثر قليلاً.
البديل في سوريا واليمن والعراق هو داعش والنصرة، والبديل في مصر هو الحرب الأهلية والإمارات والجمهوريات، والبديل في الجزائر هو حرب أهلية جديدة، ولا ظاهرَ إلا العتم والظلام والدم.
في شباط الماضي حضرتُ في دبي مؤتمر "القمة الحكومية" حيث عرضت علينا طائرة من دون طيار سوف تتولّى في المستقبل نقل البريد السريع والعلاج السريع. والأسبوع الماضي حضرنا هناك الدورة السنوية لمنتدى الإعلام العربي الذي عُرضت فيه سُبُل التغطية الإخبارية، أيضاً في المستقبل. فقط في هذه المدينة يبدو المستقبل ممكناً. يقول الوزير محمد القرقاوي ان في بلاده اربعة آلاف مؤسسة إعلامية دولية لها مكاتبها ومسؤولوها. ليس للصحافة اللبنانية ما تحتفل به سوى شهداء 6 أيار.
أيام الوجود السوري المُعلن في لبنان كان يُطرح على الدوام سؤال: هل نكون هونغ كونغ، التي تمدّ الصين المحافظة بأسباب الانفتاح، أم نكون فيتنام دمشق؟ أكثر من كان يطرح هذا السؤال، بثقافته وسِعَة معرفته، الأستاذ وليد جنبلاط. يسعدني أن أنقل إليه آخر التطورات: الصين، اليوم، هي هونغ كونغ الكبرى. وأما هونغ كونغ نفسها، فمثل دبي وسنغافورة ومعتزِلي السياسة والسفسطة، فهي من أكبر اقتصادات العالم. انسَ الأفلام الحزينة عن سوزي وونغ وقبعات الفقراء التي ينامون تحتها. تبقى فيتنام. إذا قمت بزيارة مدينة هوشي منه فسوف تجد أنها تحاول منافسة أبراج محمد بن راشد في دبي وأبراج الوليد بن طلال في السعودية. بعدما كانت فيتنام أكبر مدرسة للموت تحاول أن تكون أمهر مدرسة للحياة. والفيتناميون أنفسهم يحتلون تجارة البقالة في نيويورك، إلى جانب الأفغان. أحفاد خروشوف أساتذة في الجامعات. العالم برمَّته يعيش في المستقبل.
هنا، ليسَ. هنا لا تستطيع أن تعرف موعد تشكيل الحكومة وموعد انتخاب رئيس الجمهورية. هنا سوق الأحد. أو سوق الجمعة. والسلوك واحد: مقايضة. المقايضة في الشرق العربي تتم بالأرض والشعوب. ترفع الأعلام فوق الطاولة وتتمّ الصفقات من تحتها. تختلط الأقنعة بالوجوه ولا يعود الأمر مهماً أو الفارق ملحوظاً. هذا شرق تُقام فيه جنازات الشعوب على التلفزيون لئلا تعذّب نفسك بالحضور.
المستقبل ليس همّاً عند أحد. الناس مأخوذة بالماضي والإعجاب بعنترة عمومي. جرِّب أن تنتقد أو أن تُناقض ما فعل الحجاج بن يوسف وسوف ترى ما أعني. عرَض عليّ سائق تاكسي عربي في نيويورك صوَر أولاده في هاتفه الحديث. ثم عرَض عليَّ صوَر صديقاته من الروسيات (الجزءين الآسيوي والأوروبي) وفيما هو يقلِّب الصفحات، راحت تتوالى بينها صوَرٌ من القرون الوسطى.
سوف يترك الرجل أبناءه يعيشون مستقبلهم في نيويورك حيث وُلدوا من أربع أمهات مختلفات البشَرة والعِرق. ويكمِل هو حياته مُرفقة بالودّ الروسي. أما مستقبله فلن يتخلّى عنه: لقد أودعه "الآي فون" الحديث جميع صوَر التقاتُل وخُطب الكِرِه.
تهيئ دبي لأكسبو 2020. تبني لست سنوات من الآن. وأنت لا تستطيع أن تعرف متى يُنتخب رئيس جمهوريتك في برلمان يقع في قلب البلد. قُمت بزيارة المطران هكتور الدويهي في بروكلين حيث يتعافى من سوء أصيب به في الصيف في إهدن. كعادته في فراشه كان يتحدث بالحماسة والأسى. قال بلهجته الزغرتاوية إنه أصيب بالجنون حين سمع أحد أطفال العائلة يقول لأبيه: قُم خذنا إلى دبي.
إذا كان طفل في السادسة يحمل كل هذا اليأس من لبنان، فماذا عن الذين يحضرون نشرة الأخبار؟ ماذا عن الذين لديهم معاملات في الدولة؟ ماذا عن الذين يفكّرون كل يوم في شبّانهم وفي عجائزهم؟ ماذا عن الذين يتأملون في سياسييهم ويرونهم ساكنين في مرآة لا يخرجون منها ولا يقبلون التحكيم من مرآة أخرى.
هل تتبع جنابك أخبار البلاد؟ هل قرأت أن الرئاسة ملفٌ تتولاّه فرنسا بموافقة من أميركا، وينتظر نتائج محادثات الملف النووي بين واشنطن وطهران والمحادثات التمهيدية بين السعودية وإيران؟ هل تعرف مواطناً آخر في الأرض، يقرأ هذه الأخبار كل يوم، من دون أن ينتبه في أي وطن أو دولة يعيش؟ هل الأمر طبيعي إلى هذا الحد؟ حتى المظاهر لم تعُد ضرورية. ولا حتى القليل منها.
قيل في السياسة كلام كثير. منه، أو كثيره، لا حاجة إلى قوله. لكنها الآن إضافة إلى كل ذلك، مهنة بلا كرامة. "بلا شئمة"، كانت جدتي تقول عن سفيه لا أخلاق له. وفي القول الكريم إن لم تستحِ فافعل ما شئت. فماذا يزيد أو يُنقص عيب من هنا أو من هناك؟
سائق التاكسي الآخر في نيويورك من فيتنام التي بسببها كتبنا أطنان المقالات على أميركا. أعادني إلى الزيارة الاولى للمدينة العام 1973. قال لي سائق التاكسي الأميركي يومها ضاحكاً من نفسه "بالأمس كنت أحارب هؤلاء الرُعاع اليابانيين والآن أنقلهم في نيويورك إلى حيث يشترون مبانينا". يحتلّ طلاب فيتنام المرتبة الثامنة في جامعات أميركا من حيث العدد. والناطقة باسم الخارجية الأميركية تتحدث عن "الشركة مع فيتنام" في مواجهة الخطر الصيني. وماذا عن الرفاق في الحزب الشيوعي الصيني أو الفيتنامي؟
آه، تذكّرت. صحيح. لا يزال هناك حزب شيوعي بكامل اللزوميّات: صورة لينين وأحلام ماركس وأسلوبه الجذّاب، ولكن أمام المقار تقف سيارات المرسيدس المفوَّلة، والمعدّات الكهربائية جميعها من جنرال إلكتريك.
السياسة موت وقتل وعبث وأضغاث أحلام. هناك دول اختارت السعادة بديلاً منها. ثلاثة ملايين إنسان على 700 كلم مربع في سنغافورة يتمتّعون بأعلى دخْل في العالم بعد نروج ونفطها. أنا لا يمكن أن أنسى أن دبي التي عرفتها رملاً وخوراً مائياً ملبّداً بالمراكب العتيقة صارت – من دون نفط – شيئاً من بهجات العمران والمدنية في العالم، فيما نحن نستعطي خيرات الصيف وفتات الخليج. وكنت أفهم أن يهاجر شبابنا إلى أمنها وازدهارها، أما أن يحلم أطفالنا، منذ السادسة، بالانجذاب إليها تاركين صيف إهدن إلى حرّ الخليج. أما!
أما الدول والأمم والأوطان فلا تقوم إلا إذا أحب الحاكم شعبه. هكذا قال لي مرة الشيخ محمد بن راشد. أن يحب الشعب قائده، هذا يجب أن يتبع لا أن يسبُق، قال محمد بن راشد. أقول في نفسي وأنا أتأمل دبي التي عرفتها قبل 50 عاماً، دائماً أقول في نفسي، إذا كانت هذه مشاعري فكيف يمكن أن تكون مشاعر محمد بن راشد؟

← Back to Selected Articles