Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

الملجأ - عباس بيضون (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

خمسون عاماً على المجلس الثقافي للبنان الجنوبي. تقلب المجلس في الظرف اللبناني والجنوبي، واجه مستجدات كثيرة متتابعة ألجأته أحياناً إلى أن يتقوقع، وألجأته أحياناً أخرى إلى ان يتجنب، وإلى أن يتعامل مع متغيرات جنوبية ولبنانية، وإلى أن يحاذر ويحسب كل خطوة، إلا انه أسبوعاً بأسبوع على مدى خمسين عاماً استطاع أن يصمد. لا بد انه لم يستطع ذلك إلا بعناد وتصميم وصبر بلا حدود. مهما يكن من أمر المجلس ومن خططه وأعماله ونشاطاته فإنه بقي طوال هذا الوقت، بقاؤه نفسه حدث. استمراره خمسين عاماً بما يعنيه ذلك من جهد أسبوعي وانشغال يومي هو بحد ذاته معجزة صغيرة، حدثت امام الجميع وتكاملت امام الجميع بحيث استعصى التصديق بأن ذلك سلخ من عمر البلد ومن أعمارنا نصف قرن. ثم أن المجلس بقي، على طريقته، منذ قام إلى ان أتمّ خمسينيته مستقلاً. لم يكن غريباً عن محيطه ولم يكن منعزلاً فيه. لقد كان قريباً من الموجات الثقافية التي انتشرت في لبنان والجنوب على اختلافها. كان حصيلة للمشترك بينها وللغة والخطابات التي تقاطعت فيها، ولم يكن في يوم صاحب خطاب منفرد أو خاص. كان شأنه شأن هذه الأوساط التي امتلكت لنفسها وعلى اختلافها لغة سائدة بقدر ما هي خاصة، وبقدر ما كانت هذه تتدخل كان متدخلاً، وبقدر ما كانت تبتعد كان يبتعد، وبقدر ما كان تأثيرها يقل كان تأثيره يقل. كان صوتها الباقي ومنبرها. هذه الموجات التي توقفت على تراث قومي يساري صار مع الوقت والتفاعل واحداً، وجدت في المجلس هامشاً لها. صيّرته هي هامشاً ثقافياً بل وجزيرة ثقافية، وبالتأكيد كان المجلس يستنهضها ويستفزها لتقول كلمتها، بل كان محرضاً حقيقياً لها لترفع صوتها. لم تكن خطاباتها نافرة أو مستفزة ولم تكن آراؤها خاصة إلى هذا الحد أو ذاك. لكنها وجدت في المجلس بيتاً وموئلاً، وجدت فيه ما يلائم جوها ووسطها. انه مكان لا يدمغ، مكان لا يصنّف صاحبه. مكان لا يطبعه بطابعه ولا يفرزه. لكنه أيضاً محل تقاطع وجمع واشتراك لا يتميز فيه المرء إلا بالقليل، وفي ما عدا ذلك هو مفتوح على خطاب المرحلة ولغة المرحلة وإرث المرحلة.
هامش ثقافي هو المجلس، سواء توقّد أم شحب فقد استمرّ، استمر مذكراً بتراث جيل لا تقل أعماره عن عمر المجلس. لقد صار هذا التراث مع الزمن ماضياً بقدر ما بقي راهناً. هامش ثقافي فضله الأول أنه، بغض النظر عن فحواه، أصرّ بإرادة خاصة على أن يبقى مستقلاً وعلى أن يكون لمستقلين. ففي التشابك الحاصل يبقى المكان مهما، في التشابك الحاصل من المهم أن يكون للشخص مكانه الخاص. مهما تتقاطع الخطابات ومهما لاح عليها ما يشبه الاشتراك فإن المكان مهم، والحاجة إلى الاستقلال قد تكون فقط مرهونة به والدفاع عن الاستقلال ليس سهلاً ولا بسيطاً. المستقل هو نوع من لا منتمٍ ومن مشيح بوجهه ومن متقاعس ومن هارب، الاستقلال يظل لذلك شبهة وسؤالاً خاصة حين يتعلق الأمر بالمثقفين. في زمن الاعتصاب والتكتل والتعبئة لا يُغتفر للمثقف، وهو صاحب رأي، ان لا يكون في المعركة. لا يغتفر له أن يكون فرداً. لا تؤخذ بسهولة مسألة استقلال المرء فذلك في الغالب يتركه بلا مكان. من هنا دور المجلس، إنه مكان لهؤلاء المنسحبين الذين لا يجدون بيتاً يضمّهم ومكاناً لهم.
هامش ثقافي هو المجلس لكنه بسنيه الخمسين أكثر من ذلك. لم يكن ليصمد كل هذا الوقت لولا انه محطة. إنه نوع من استراحة انتقالية لجيل تربى في مراحل سبقت. جيل تربى على وطنية جامعة ويسارية جامعة. مهما اشترك في ذلك مع آخرين فإنه يتأبى على الطائفية والاعتصاب الطائفي. لقد بات غريباً في بلد تدهور بسرعة إلى اعتصابات معلنة، بات أكثر فأكثر هامشية في بلد هوية المرء هي قبل كل شيء طائفته، إنه بقايا لا أكثر وهو الآن مجرد شراذم متفرقة وشعوره بضآلة أثره يجعل أفراده أقل فاعلية وأقل حماساً، واشتراكه في الخطابات مع الآخرين يجعله أقل تميزاً. ما يريده هو أن يكون داخل المرحلة وخارجها. ما يريده هو أن يجد ملجأ والمجلس الثقافي في أعوامه الخمسين لم يكن أكثر من هذا الملجأ لأشخاص لا يكفيهم أن ينتموا لأنفسهم، ولا يكفيهم أن يسكنوا في أفكارهم. لا يكفيهم أن يبقوا أفراداً وأن يكونوا مجرد أفراد. قدّم المجلس بيته لهؤلاء يجتمعون فيه ويتواصلون ويجدون عنواناً ومقيلاً.
يمكننا أن نختصر المجلس برجل واحد هو حبيب صادق. لولا هذا الرجل ما كان المجلس ليعمّر كل هذا العمر وما كان ليبلغ الخمسين عاماً، هذه التجربة ترينا ماذا في وسع رجل واحد متكرس بالكامل أن يفعل. حبيب صادق الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي منذ ثمانية وأربعين عاماً هو تقريباً المجلس. قد يتساءل غير واحد كيف يتسنى لرجل واحد أن يكون في الأمانة العامة طول ثمانية وأربعين عاماً. سؤال مشروع سواء أرسل بخبث أم بطيب نية. لا أعرف ماذا كان جرى للمجلس لو لم يتكرس له حبيب صادق. كيف كان له ان يواصل نشاطه عاماً بعد عام وأسبوعاً بعد أسبوع لو لم يكن فيه حبيب صادق، هذا الرجل، كما يعلم الجميع، هو كل شيء في المجلس. هو الذي يرسم ويقرر ويخطط لكنه هو أيضاً الذي يختار معاونيه وهو الذي يتصل ويبحث وينقب ويعمل على الأرض. قد يكون الأمر أفضل لو اشتغل حبيب صادق، ودائماً حبيب صادق، لتداول أكبر للأمانة العامة. لكن كل المجالس التي أنشئت مع المجلس الجنوبي لم تستطع أن تعمّر مثله، ولم تنشط مثله ولم يكن لها حضوره. كان المجلس يتوجه أكثر فأكثر إلى زمرة من المنسحبين الذين يفقدون شيئاً فشيئاً الدافع والحماس، وشخص باندفاع وتكرّس حبيب صادق كان ضرورياً لمواصلة المجلس وما كان في الإمكان ان تجد في كل وقت شخصاً مثله، مع ما في ذلك من خطر أن يبقى المجلس أسير رؤية واحدة وعقل واحد وسكون ومزاج واحدين.
خمسون عاماً على المجلس الجنوبي. كبر المجلس وكبر حبيب صادق معه... يمكننا هكذا أن نحيي الاثنين.

 

← Back to Selected Articles