ما بعد الاسد والسيسي - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تنصيب عبد الفتاح السيسي رئيسا لجمهورية مصر، والتجديد لبشار الاسد ولاية ثالثة، ليسا مجرد إستهزاء بمفهوم الديموقراطية، او فكرة الانتخابات. لعلهما المخاطرة الاكبر والاسوأ بالامن والاستقرار في البلدين منذ الانقلابات العسكرية التي عاشها الوطن العربي والعالم الثالث في اواسط القرن الماضي.
المجال لن يكون مفتوحا للتندر، ولا حتى للمقارنة مع تلك الانقلابات التي كانت في تلك الحقبة تتمتع بشعبية واسعة، سواء في شكلها الناصري او حتى في افقها البعثي. تلك حقيقة لا يمكن انكارها، برغم انها تبدو اليوم مشينة، لانها تسببت بالهزائم والكوارث والمآسي التي تواجهها مصر وسوريا حتى اللحظة. فهي كانت في حينها تعبر بدقة متناهية عن وعي وطني وطموح سياسي متقدم عن المرحلة الاستعمارية التي امتدت مئات السنين.
التاريخ يعيد نفسه مرة اخرى الان، وبشكل لا يدعو الى السخرية: تجري اعادة احياء الاساليب واعادة انتاج الادوات نفسها التي أسفرت عن انحطاط عربي كامل، وفراغ سياسي تام، أفسح المجال للقوى الاسلامية الاكثر تشددا كي تسعى الى سده. لم يكن ظهور جماعات التكفير والهجرة بنسختيها المصرية او السورية، او العربية عامة، نتاج مؤامرة خارجية، او حصيلة صراع بين الشرق والغرب خيض في البداية في افغانستان، ثم ارتد صدفة مع الافغان العرب الى بلدان المنشأ. كانت البيئة السياسية العربية جاهزة لاستيعاب هؤلاء وتحويلهم الى قنابل موقوتة تنفجر اليوم بلا حساب.
الذين سخروا من التجربة " الانتخابية " الاخيرة في مصر وسوريا تفادوا حتى الان النقاش حول هوية وطبيعة التنظيمات الاسلامية المتشددة التي ستنشأ في المجتمعين المصري والسوري، من الان فصاعدا. أنهت تلك التجربة، وربما الى الابد ، ظاهرة الاعتدال الاسلامي التي لطالما كانت موجودة في العالم العربي لكنها إستمدت زخمها الفكري والسياسي في العقد الاخير من النموذج التركي المتميز في اعتداله وفي نجاحه الجاذب..وكشفت ايضا ان الغرب او الشرق الذي كان يستخدم في معاركه الماضية بعض الادوات الاسلامية، قبل ان يشتبك معها، قرر الاستغناء عن خدماتها والتخلي عن قتالها المباشر، وتمكن من توجيه برامجها نحو بيئاتها الاصلية التي تسجل الان عمليات انتحارية اكثر من اي وقت مضى في التاريخ الاسلامي، بل الانساني.
الشبكات والخلايا الاسلامية العاملة حاليا في كل من سوريا ومصر، ليست نهاية المطاف، ولا هي ذروة "المشروع" الاسلامي الصاعد. في الافق ما هو اخطر بكثير من داعش والنصرة وجند الاسلام وانصار بيت المقدس وغيرها.. وهذه الحالة تكسب من المهزلة الانتخابية الاخيرة شرعية شعبية اضافية تعزز مصداقية شعاره الرئيسي النافي للديموقراطية باعتبارها هرطقة، وللجمهورية بوصفها كفراً.. وتوسع حربها التي انطلقت بتكليف إلهي ولا تزال، مع المؤسسات الوحيدة الصامدة فقط لانها تركة الاستعمار ووريثته، اي الجيش والاجهزة الامنية التي تمثل الان العنوان الجوهري الاخير للدولة والمجتمع في البلدين، بل في العالم العربي كله.
هي معركة قدرية، لا مجال فيها للتسوية او التخاذل او الاستسلام. صحيح ان التاريخ ينبىء بهوية المنتصر. لكن حجمها ومداها الراهن يتخطيان توصيفها التقليدي كمواجهة امنية بين سلطة وبين مجموعات وخلايا صغيرة متطرفة. ثمة ما يفيد بانها حرب حقيقية. ثمنها الباهظ حتى الان بات يثير الشك في ان النصر سيكون هذه المرة حليف الجهة التي سبق ان حققته في معارك عديدة سابقة، لا سيما وان تلك المجموعات تقدم نفسها الان كبديل سياسي واجتماعي، لا كبديل أمني فقط.. وهي ترسخ وجودها العلني في سوريا، كما تسترد خيارها السري في مصر، وتعلن عن نفسها كجيش موازٍ في العراق وليبيا وسواهما.
الحرب في بدايتها بين سلطات تنتمي الى حقبة تاريخية بعيدة وتعتمد اساليب حربية قديمة، وبين تنظيمات تنتمي الى حقبة تاريخية ابعد، وتعتمد على اساليب قتالية أقسى وأعنف. هما يحطمان بعضهما البعض، ويتعهدان باستئصال بعضهما البعض. لذلك ترتفع الكلفة البشرية، والسياسية، ويتحول تنصيب السيسي وتفويض الاسد الى إيذانٍ بطور جديد من تلك الحرب.