داعش.. وصناعة التاريخ - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
هل تقوم "داعش" بسد فراغ القوة والسياسة في وسط العراق، ام انها تؤسس لتحول استراتيجي في خريطة العالم الاسلامي؟
الثابت الوحيد حتى الان من كل ما يجري في الغرب والشمال العراقيين هو ان التواطوء ظاهر وعلني بين ذلك التنظيم وبين السلطة العراقية واجهزتها العسكرية والامنية التي تفر هاربة من زحف مقاتلي "داعش" في محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين، وتترك خلفها، مواطنين مستائين، ومؤسسات رسمية مفرغة، ومنشآت نفطية مشرعة.. وشبهة تقسيم مذهبي جديد للكيان العراقي.
هو بالتحديد ما حصل في سوريا العام الماضي عندما افسح النظام السوري المجال للتنظيم لكي ينفذ انقلابه الدموي في البيئات التي خرجت عن سلطة الدولة والتحقت بصفوف المعارضة السورية. وهو ما أسفر عن حملة دموية ضد المعارضين السوريين من الجيش الحر وبقية فصائل المعارضة راح ضحيتها المئات من المعارضين، قبل ان يتم طرد "داعش" في مطلع هذا العام من غالبية مناطق الشمال والوسط السوريين الى الشرق، نحو الحدود العراقية.
الغزوة الحالية التي يشنها "داعش" هي على الاغلب نتيجة تلك النكسة السورية التي مني بها، وبعدما استنفدت حملته السورية أغراضها حيث لم يجد بيئة حاضنة ومؤاتية لاستكمال مشروعه، من جهة، ولم يستطع ان يخدم خطاب النظام المكرر عن ان بديله الوحيد في دمشق هو "القاعدة".. بينما هو لا يزال يتمتع بغالبية 88 بالمئة من الناخبين السوريين، حسب نتائج آخر عرس ديموقراطي اعلنت الاسبوع الماضي ، وقابلها الداعشيون بالاستحسان، او بالسكوت.
التوجه شرقا قد لا يكون نهاية المطاف السوري بالنسبة الى "داعش"، لكنه محاولة لفتح أفق جديد- قديم لمعركته، وبالتالي لدولته الاسلامية الموعودة في قلب الهلال الخصيب، لا سيما وان البيئة العراقية، السنية خاصة التي تعاني من اضطهاد شديد وتصفية متلاحقة لدورها وشراكتها في العملية السياسية، كانت جاهزة لاستقبال ذلك الضيف الثقيل، وهو ما ظهر في بعض انحاء الموصل وقبلها في الفلوجة وغيرهما من الحواضر العراقية التي دخلها الداعشيون مؤخرا من دون مقاومة ولا قتال.. واستقبلوا بصفتهم عنصر توازن مع السلطة الشيعية. وهو ما جرى بالفعل في معظم الانحاء السورية التي سيطر عليها التنظيم، وصارت محمية تماما من غارات النظام وصواريخه ودباباته.
لا بد من الاعتراف بان "داعش" لم يعد فرعا او شبكة من تنظيم "القاعدة"، بل هو الان بمثابة جيش مصغر قادر على تحريك قواته المقدرة بعشرات الالاف من المسلحين في جغرافيا شاسعة، وقاسية، وعلى السيطرة على بيئات اجتماعية ومراكز اقتصادية ونفطية مهمة، وعلى التحكم بحدود دولية تمتد على مئات الكيلومترات، ولا تقتصر على تلك الفاصلة بين سوريا والعراق، بل ثمة ما يوحي بان الهدف المقبل للتنظيم هو بلوغ الحدود مع ايران.. وهو ما يستكمل الحرب الافغانية المفتوحة ، والتي ستتخذ اشكالا جديدة مع الانسحاب الاميركي في نهاية العام الحالي.
لم يعد سرا الكلام عن ان زعيم "داعش" ابو عمر البغدادي ينفذ الان انقلاباً على زعيم " القاعدة" ايمن الظواهري المختبىء في الكهوف الافغانية، والذي تقدم به العمر، وتجاوزته التجربة، وفشل في قيادة شبكات التنظيم وخلاياه، او حتى في توحيدها، وفي توجيه معركتها المستجدة في منطقة الهلال الخصيب. وثمة من يقول ان الانقلاب نجح فعلا، وأحيل خليفة اسامة بن لادن الى التقاعد والنسيان، من قبل الجيل الجديد من القاعديين، الذي يعتبر ان قيام دولة الخلافة أقرب من اي وقت مضى، وعلى اي بقعة من ارض المسلمين.
هي أضغاث أحلام ربما. لن تجد سندا لا في بيئاتها، ولا في محيطها.. ولا طبعا في آبار النفط القريبة التي قد تكون سبباً اضافيا في تحطيم ذلك المشروع التاريخي، الذي يسد فراغاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع التاريخ.