في سجل الأقليّات - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ليس لطيفاً أن تولد في الاقليّات، ولو في علمانيات فرنسا. فعندما أصبح الاشتراكي ميشال روكار رئيساً للوزراء، طالما أشارت "الموند" الى أنه بروتستانتي. وكان فرنسوا ميتيران يستغبيه وينفر من مشاركته، ولكن طبعاً لأسباب أخرى. وعندما وصل متظاهر 1968 ليونيل جوسبان إلى "ماتينيون"، كان الجميع يشيرون إلى بروتستانتيته على انها ذات أثر في تفكيره البيوريتاني. وإلى يومنا هذا، لا يزال يُشار إلى جون كينيدي على أنه أول رئيس كاثوليكي في عرين الأنكلو - ساكسون. لكن كينيدي اغتيل لأسباب كثيرة لا نعرفها، إنما نعرف أن طائفته ليست بينها. كما نعرف أن بروتستانتية ليونيل جوسبان لم تحُل دون وصوله إلى رئاسة الوزراء، حيث كان أداؤه محترماً. وداعاً للقرن السادس عشر ومجازر الهويات في فرنسا.
وداعاً "لاحتكار الأديان" في مصر، قال عدلي منصور وهو يسلّم الرئاسة إلى عبدالفتاح السيسي. ولكن في سوريا، "الإقليم الشمالي" السابق، وفي العراق، أرض الوحدة، كانت تقوم حربان غريبتان: الأكثرية السنّية في سوريا تخوض حرب السلطة، والأقلية السنّية في العراق تخوض الحرب نفسها. وما بين هذه الأقلية وتلك الأكثرية تذوب، ربما إلى الأبد، الفئة المسيحية التي بدأ اضمحلالها البطيء منذ قرون. خرجت من الجزيرة العربية، وتلاشت في العراق، وتراجعت في مصر، ومرضت في سوريا، ولم يعد لها في أرض المسيح سوى كنيسة المهد وأدلاَّء كنيسة القيامة. زيارة البابا ليست أكثر من جزء من لطائفه وطيب نفسه المتواضعة. لكن المسيحيين يُدركون في قرارتهم، أنه لم يتبقَّ لهم سوى الرمزيات والمباخر.
هم ليسوا القضية في أي حال. وليسوا موضوع الحرب الداهمة ولا موضعها. لقد استُخدموا في الموصل وفي معلولا، وفي مقتل الأب الهولندي فرانسيس فاندرلخت في حمص، كصندوق بريد (poste restante) بين فئتين دخلتا في حرب العياذ بالله. ثم العياذ بالله.
وسط كل مشاهد البلاء هذه، ليست الحدود التي سقطت هي المشترَك الوحيد بين سوريا والعراق، وليست مصبّات الأنهر، وليست الجذور والعشائر، بل إن البلدين، اللذين يحكمهما الحزب القائد منذ 1963، أصرّا على الدخول في انتخابات الولاية الثالثة للأسد، والولاية الثالثة للمالكي، لم تأخذ في الاعتبار أن البلدين تحت ركام لم تعرفه ألمانيا في نهايات الحرب العالمية. لا بد من الانتخابات.
بالإضافة إلى صوَر المجازر التي تُباهي داعش بعرضها على "تويتر"، تُفاخر بعرض صوَر مقاتليها من الشيشان ومعهم غنائم "الهمفي" من القوات الأميركية. لماذا الشيشان؟ لكي تقول لك، ولكل من يعنيه الأمر، أن تدويل الرماد والموت المذهبي ليس من جانب واحد. الباكستانيون يقاتلون هنا وهناك. الأذريون أيضاً. ولم يعد هناك شيء يُدعى "الأفغان العرب". فهؤلاء أصبحوا الآن فئة معتدلة تقود سيارات الإسعاف وتعمل على خطوط التموين. المطلوب الآن فقط صورة "داعش" وفرق الإعدام التابعة لها. يجب أن يعرف العالم ماذا ينتظره.
لها أسماء كثيرة وأوصاف شتّى. ولكن إذا شئت الاختصار، فهي حرب السلطة. إذا قرأت الدكتور عبدالمجيد الرافعي في "المنبر" ترَ أن ما يجري في العراق ليس "داعش" والمتطرفين، بل مناضلون من شتى الاتجاهات. لا تخدعنَّك الشائعات، يقول رجل من أيام "البعث" الماضي. ولكن لا يمكننا إلاَّ أن نلاحظ أمرين دراميين: البعث القومي العلماني يستعين بالأحزاب الدينية في سوريا وفي العراق.
يقول الدكتور الرافعي إنها الحرب ضد التوسّع الإيراني، فيما البعث السوري يعقد التحالف الوجودي مع إيران تحت راية العروبة. حاول أن تُحصي عدد المرات التي يرِد فيها ذكر "العروبة" في برامج الحكي. الأكثر خفراً يستخدمون مصطلح "المشرقية". لقد وُئدت العروبة، وربما كان ذلك خيراً لها. فإنها لزمن أجمل من هذا الزمان، ولجيل أعمق وأصفى وأصدق.
في العروبة كان هناك مكان لأهل هذه الأرض بصرف النظر عن سجل النفوس الذي يُولدون في قيده وقيوده. في العروبة كان يحقّ لميشال عفلق وفارس الخوري الجلوس في الصف الأمامي. وفيها كان قائد الثورة العربية سلطان باشا الأطرش، وكمال جنبلاط زعيم الحركة الوطنية، وجورج حبش زعيم الجبهة الشعبية، وأنطوان الجميل رئيس تحرير "الأهرام".
أسوأ ما يقع فيه الكاتب هو أن يكرّر نفسه. فهذا دليل إما على فقدان شيء من الذاكرة، وإما على فقدان شيء من المادة. لكن بعض الشواهد ترافقنا إلى الأبد. صدرت ترجمة جديدة لتحفة بوكاشيو "الديكامرون". حكاية ثرثاري فلورنسا الذين ينعزلون إلى تلة بعيدة معتقدين أن الطاعون لن يصل إليهم، وفي انتظار أن ينتهي الوباء، يمضون الوقت في رواية القصص. معظمها إباحي، فلا تطلب مني نموذجاً.
فيما يفتك الطاعون، بجميع أعراضه، في المنطقة بأسرها، ينصرف الموارنة إلى حكاية إبريق الزيت. لاحظ أن المسألة ليست الطاعون بل اكتمال الحكاية. ليست الرئاسة بل الرجل. ليس الخلاص من هذا المأزق التاريخي المُطبِق على لبنان من جميع الجهات والطبقات. ليس التوافق بين الجماعة، بل الاتفاق على الفرد. ليس مواصفات الاحتضان بل مواصفات القوة.
قوة ماذا ومَن؟ الجيش السوري يفقد سيطرته على بعض مدن سوريا، والجيش العراقي يفرّ من الشمال، فما هو مفهوم القوة التي لم تستطع حسم الخراب والدمار في أي مكان؟ وما هو ميزان القوَّة وصاحب الكرملين يرى الشيشانيين يتقدّمون "داعش"، فيما صاحب البيت الأبيض، "سييستا". معبرة التعابير الإسبانية. "سييستا" عكس "فييستا". مهرجانات القتل في المكسيك كانت تسمى "فييستا". بالأحرى "فييستا الرصاصات" كما قال مارتن لويس غوزمان.
كل الثورات رفعت شعار الحرية ولو من باب رفع العتب، إلاَّ هذه "الثورات" العربية. لا مكان لها هنا. والذين قالوا لك إن القومية العربية اختراع صهيوني، مستعدون للقول أن الحرية كذلك. والمشاعر الإنسانية. والحلم بأمة تذهب إلى المصانع والمزارع بدل الموت والقتل. وتهيئ لمذبحتها الكبرى بكل وعي، ولا تعيد إلى الحياة إلاَّ مذابحها الماضية. كيف ستخرج هذه الأمة من ثقافة الكارثة وحضارة الانتحار والفناء؟
ليس لطيفاً أن تُولد في الأقلية. ليس الأقلية الدينية أو العِرقية بل خصوصاً الأقلية المدنية. أن تكون بين الناس ولست بين الجماهير. بين العامة وليس بين الدهماء. أن ترى بعينيك لا بأذنيك. أن تحب لغيرك ما لا يحبون لأنفسهم. أن يعتبروك خارجاً على العشيرة لأنك خارج على قواعد الثأر وجهل الغطرسة وغلظ الاستعلاء.
أنت تعرف أن هذه "فييستا"، لا وطن. ولا شيء يحتمل ذلك. لا الوطن ولا الوقت ولا الزمن ولا الثواني. يخذُل الموارنة لبنان مرة أخرى. هو، لبنان، لم يخذُلهم مرة واحدة. أعطاهم ما لم يعطِ أحد غيره، شرف أن يرفعوا الراية الأولى. كل مرة ينكِّسونها ويُغلقون أبواب البيت في وجه الجميع. دائماً متناكفون من غير قضية إلا الشخص، دائماً لا يخجلون، لا أمام الشركاء ولا منهم. ظهَر كتاب "تهافت التهافت" لابن رشد، تحت ترجمات مختلفة في الإنكليزية والفرنسية. أفضلها، كما يقول أوكتافيو باث:
"Incoherence of the Incoherence" وفي ترجمة فرنسية "الفلاسفة يدمّرون أنفسهم". وربما الأفضل "تهالُك التهالُك". عندما يدبّ الاهتراء في الفكر وفي النفس معاً.
علينا أن نقرر، ونحن على أبواب بابل، في أي مكان نكون. وفي بابل أنت لا تقدّم ولا تؤخّر لأن أحداً لن يسمعك في أي حال. ومَن يسمعك سوف يتعمّد بلبلة حروفك لأن الحقيقة لا تفيد أحداً، وليس هذا، خصوصاً، موسمها.
ابق مع وطنك ولو خاسراً. فقد قلت لجنابك غير مرة أن الفوز ليس الربح. وأول من ميَّز في الفارق كان الناصري الذي رأى كيف تتدحرج الجماهير نحو الجهة الخطأ. وهي لا تتغيّر في الزمان ولا في المكان. وإذا حضَرْت مرة حفل مصارعة ثيران (فييستا)، ورأيت كيف تُهلّل الجماهير لخداع الثور، ثم لطعنه مرة بعد أخرى، تُدرك ما أعني. واحدة الجماهير. هي نفسها التي وقف سعد زغلول يخاطبها فلم تعِ كلمة مما يقول، فرفع طربوشه ودخل مخدعه وقال لأم المصريين: ما فيش فايدة يا صفية. غطيني.