هل يمنع الخلل في «الإدارة» التقدم في معالجة الملفات؟ - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تعتبر وزارة البيئة من أصعب الوزارات. ولكن ليس لهذا السبب تتهرب منها الكتل النيابية حين تسمي او تطالب بالحقائب الوزارية أثناء تشكيل الحكومات. فهي وزارة غير أساسية وغير خدماتية وموازنتها ضعيفة و«لا يطلع منها غير سواد الوجه»، كما تعتقد معظم الطبقة السياسية. ربما هذا السبب الأخير بالضبط ما يجعلها غير مستحبة سياسيا ولا شعبيا ربما. اكبر مثال على ذلك مؤخرا، قضية النفايات المتدحرجة من وزير الى آخر، والتي لا تزال رائحتها في الأجواء بعد قرار مجلس الوزراء الأخير، لا تعرف سبيلها الى الحل، وهي لا تلقى غير الاعتراضات في اية منطقة يمكن اختيارها للمعالجة، ومهما كان نوع هذه المعالجة... بسبب فقدان الثقة اولا. ربما استسهل وزير البيئة محمد المشنوق (مع او بعد رئيس الحكومة) إطلاق الوعود قبل تشكيل الحكومة بحل مشكلة مطمر الناعمة وإيجاد خطط بديلة بتاريخ محدد! وقد فرض هذا الموضوع نفسه كبند رقم واحد على جدول أعمال الوزير «الجديد»، في وزارة لا تزال كل القضايا «الكبرى» التي تتابعها عالقة او مؤجلة... لا بل تفاقمت مع طول إهمالها، إلى حد أصبحت عصية على أي حل. من قضايا ادارة النفايات المنزلية وغير المنزلية، الى المقالع والكسارات الى تلوث الهواء من مصادره كافة، الى منع الصيد البري، وادرة الاحراج وحمايتها من الاعتداءات والعمران والحرائق، الى قضايا شح المياه وتلوثها وسوء ادارتها التي فرضت نفسها بقوة هذا العام الشحيح، الى العلاقة مع باقي الوزارات، الى دراسة اثر النزوح السوري البيئي، الى متابعة الاتفاقيات الدولية... الى المشاكل داخل الوزارة والعلاقة غير السوية مع الادارة او علاقة الإدارة السيئة جدا مع الموظفين مما ينعكس سلبا على كيفية إدارة الملفات...الخ
فعندما يأتي وزير غير متخصص الى وزارة متخصصة، وهذا جائز دائما في بلد مثل لبنان، يجب على الأقل، ان تكون الوزارة بمثابة مؤسسة، تعمل بشكل طبيعي، ولديها ملفاتها والمتخصصون فيها مع ادارة (مدير عام) حكيمة ومنسجمة ومنفتحة تربطها علاقة قانونية وسوية مع العاملين في الوزارة... وهذا معدوم كليا في وزارة البيئة ومنذ فترة طويلة، لم يجد له احد حلا حتى الآن! لا بل ان الوزراء السابقين (آخر وزيرين) والوزير الحالي قد احالوا المدير العام على التفتيش اكثر من مرة ووضعوه في شبه عزلة واشتكوا من الكثير من المشكل التي يتسبب بها مع عاملين في الوزارة او مع ممثلين لوزارات اخرى في الاجتماعات التي تشارك بها الوزارة، بالاضافة للمشاكل في سوء الادارة وسوء العلاقة مع الوزير والموظفين... ولم يتم ايجاد حل سياسي لهذا الموضوع، المعيق لعمل الوزارة، كإيجاد مناقلات ما بين المدراء العامين، في اقل تقدير. وقد وصل الامر اخيرا الى ان عمل المدير العام ضد خطة الوزارة (الوزير) لمعالجة النفايات وتحريض حزب في السلطة برفض الخطة التي كانت الوزارة قد عملت عليها طويلا لمعالجة قسم كبير من نفايات لبنان ومعالجة مكب برج حمود التاريخي في آن. بغض النظر عن مدى صوابية الخطط التي تقترحها الوزارة او الوزير، فان هذه العلاقة غير السوية في مؤسسة مسؤولة ومؤتمنة على قضايا بيئية وحياتية حساسة باتت مدمرة على كل الصعد. فهذه العينة من المشاكل «الداخلية» ليست تفصيلية وهي تعتبر مؤشرا خطيرا على مرحلة ينهار فيها كل شيء. لكن الانهيار البيئي هو اخطر انواع الانهيارات التي نعرفها. فهو اخطر من الانهيارات الزلزالية او تلك التي تتسبب فيها الحروب والتي اعتاد عليها بلد مثل لبنان. ففي الموضوع البيئي، ان انهيار المنظومة البيئية المسؤولة عن سلامة العناصر الاساسية الاربعة لمقومات الحياة كالهواء والماء والتربة والطاقة، لا يعوض وقد يستحيل العيش بعد ذلك في بلد بات على شفير انقراض طيوره المحلية وقد تم التمادي في اهمال معالجة كل شؤونه البيئية. يعترف الوزير المشنوق بهذه الحالة الشاذة في الوزارة الا انه يتحفظ على الخلاصة التي تقول ان الوزارة متوقفة عن الانجاز في حواره مع «السفير». فما الذي انجزته الوزارة في عهده حتى الآن في فترة اكثر من نصف سنة؟
ح . م.
طرحت قضية النفايات كبند رقم واحد على جدول اعمال الوزير وقد تم مناقشة وضعها اكثر من مرة في مجلس الوزراء بعد ان تم تأليف لجنة وزارية لدراسة المقترحات التي اعدتها وزارة البيئة. وهو اذ يشكو من العراقيل التي اعترضت الخطط المقترحة ومن كثرة التعديلات على خارطة الطريق التي وضعتها اللجنة الوزارية في البداية وعاد وانقلب عليها احد الوزراء، تحفظ على الدخول في تفاصيل مداولات مجلس الوزراء والحديث عن الحصص مدافعا عن قرار مجلس الوزراء الاخير في تقسيم المناطق لخدمة الكنس والجمع والنقل، معتبرا ان هذا التقسيم كان لأسباب فنية وليس مناطقية او طائفية او بمثابة تقاسم حصص لبعض الوزراء في الحكومة مع من يمثلون، كاشفا ان دفاتر شروط التلزيم للكنس والجمع قد أنجزت... وليفز من يفوز بالمناقصات ومن يطمح للالتزام. وحول التناقض في قرار مجلس الوزراء الاخير بين ترك كل الخيارات للمتعهد في ايجاد التقنية والمواقع للمعالجة والتوفيق بين الحرق في شركات الترابة والإبقاء على خيار توليد الطاقة الكهربائية من النفايات في معامل خاصة او ما يعرف بالتفكيك الحراري؟ يرى المشنوق ان الاموال دفعت للشركة المتعهدة دراسة الجدوى لخيار التفكيك الحراري (ريمبول) وان هذه الشركة كانت قد توقفت عن متابعة هذا الموضوع منتظرة ان تحدد لها الحكومة مواقع هذه المعامل. وقد طلب منها متابعة عملها وان لم يؤخذ بهذا الخيار في المرحلة الحالية.
العلاقة مع باقي الوزارات
كانت لافتا عدد مذكرات التفاهم التي وقعها الوزير المشنوق مع وزارات أخرى متعددة وفي فترة قياسية، اي مع الصناعة، الزراعة، التنمية الادارية، الإعلام، الاقتصاد، العدل والعمل. ولكن السؤال البديهي الذي يطرح هنا: لماذا تم استثناء وزارة الطاقة والمياه؟ مع ان هذه الأخيرة تتقاطع بشكل مركزي مع البيئة في قطاعين أساسيين الأول حيوي كالمياه والثاني يتعلق بالطاقة التي تعتبر الملوث الأول للهواء في لبنان. وكذلك الأمر بالنسبة الى وزارة النقل التي تعتبر المسؤول الثاني عن تلوث الهواء ووزارة الثقافة من اجل تشجيع الثقافة البيئية الرصينة وتوقيع اتفاقيات مع وزارة الثقافة لتشجيع إنتاج الكتب والمجلات والمواقع الالكترونية... الخ
لا ينكر المشنوق هذا النقص، لا سيما مع وزارة الطاقة والمياه، الا انه يذكر بسوء التعاون الذي حصل مع الوزير نظريان حول قضية سد جنة وروى بالتفصيل بداية العلاقة او الأزمة التي انطلقت بعد طلبه لدراسة الأثر البيئي للسد اثر الاعتراضات عليه. وكيف وصل الى الوزارة دراسة من نفس الشركة الملتزمة التي يظهر فيها بوضوح تضارب المصالح والذي لم تعتبره وزارة البيئة كافيا، وقد طلب المشنوق وقف الأعمال بالسد لحين انجاز هذه الدراسة مما انعكس سلبا في العلاقة بين الوزارتين.
المقالع والكسارات
حول ملف المقالع والكسارات الذي لا يزال يدور في حلقة مفرغة، اكد المشنوق انه تقدم إلى مجلس الوزراء بضرورة تعديل المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات، وقد صدر قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة وزارية برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء وعضوية الوزراء المختصّين (الأشغال العامة والنقل، الصحة العامة، المالية، الزراعة، البيئة، العدل، الداخلية والبلديات، والصناعة) لوضع المخطط التوجيهي الجديد. كما تمت بلورة مسودة مشروع هبة لتفعيل التزام قطاع محافر الرمل والمقالع والكسارات بالقوانين والأنظمة البيئية وعرضه للتمويل. وكشف المشنوق انه يتابع مع المجلس الوطني للمقالع الذي يرأسه ملف المقالع والكسارات ومحافر الرمل بما في ذلك الطلب من الجهات المعنية اتخاذ الإجراءات اللازمة لإقفال المشاريع غير القانونية بالإضافة إلى الكشف على مواقع المقالع التي انتهى العمل فيها تمهيداً لتحريك عمليّة إعادة تأهيلها من خلال مصادرة الكفالات وتحريك الامانة الناتجة عنها، مؤكدا وجود مبالغ مهمة في امانة الوزارة ممكن تحريكها.
الغابات وإعادة التحريج
وعن موضوع ادارة الغابات والتحريج اشار الى مشروع «المحافظة وإعادة تأهيل موارد لبنان الحرجية» الذي اختبر عدداً من الممارسات لتخفيض كلفة التحريج من أجل الوصول إلى التحريج من دون ري، تطبيق التجارب التي أعطت أفضل النتائج على نطاق جغرافي أوسع وذلك على مشاعات بلدية يبلغ مجموع مساحتها 25 هكتاراً وتتوزع على المناطق التالية: أرز بشرة، وادي الكرم قرب بسكنتا، الخلة قرب بولونيا، عنجر، ومغدوشة حيث ساهمت وزارة البيئة في أعمال إعادة التحريج بعد الحريق الذي اندلع في غابتها. وإعداد مسودة دراسة لتقييم الآليات المتبعة من قبل وزارة البيئة في تنفيذ أعمال التحريج ضمن الخطة الوطنية للتحريج، تمهيداً لاعتماد الآلية الأنسب في المراحل المقبلة للخطة الوطنية للتحريج.
قيد البحث والحوار
اما المواضيع التي بقيت على جدول اعمال الحوار وتأجل البحث فيها فهي تتعلق بقضية الصيد البري والمراسيم التي صدرت وكيفية التنظيم بعد صدور الدليل الميداني للصياد؟ وتعميم مفهوم «الصيد المستديم» الذي تحفظ عليه انصار البيئة المتشددون، وامكانية إعادة النظر بقانون الصيد 2004 وكيفية تحديد الأندية المخولة إجراء الامتحانات لكل طالب رخصة؟
كما لم يصل الحوار الى البحث بقضية تلوث الهواء والتشدد في المعاينة الميكانيكية وتطبيق قانون السير. ولكن اين قانون مكافحة تلوث الهواء؟ ومتى يصبح هناك معدات واجهزة قياس متنقلة وثابتة وخطط طوارئ حول تلوث الهواء بعد نشر دفتر الشروط في آب الماضي؟ بالإضافة الى موضوع تغير المناخ والمشاركة في المؤتمرات الدولية في ليما البيرو هذا العام وقمة باريس العام القادم لانتاج اتفاقية جديدة. واين الاستراتيجيا الوطنية للتخفيف من الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ بعد دراسة اثرها على القطاعات كافة؟ بالاضافة الى الاسئلة حول استراتيجيا التفاوض تحضيرا لباريس 2015. وكيف ستفي الحكومة اللبنانية بتعهدها بتأمين 12% من الطاقة من مصادر متجددة العام 2020؟ وكيف سيتم التوفيق بين تشجيع الطاقة المتجددة والتنقيب عن النفط والغاز؟ وما هو دور وزارة البيئة في التقييم الاستراتيجي لقطاع الطاقة؟
بالإضافة الى كيفية متابعة الأثر البيئي للنزوح السوري والتي عاد وشدد على خطورتها بالأمس في خطابه اثناء انعقاد مؤتمر وزراء البيئة العرب في المملكة العربية السعودية. وكيفية متابعة القرارات الدولة لنتائج عدوان تموز 2006 ومعالجة المخلفات.
كما لم يتطرق الحوار الى مشاريع الضابطة البيئية وتعديلاتها بمراسيم وإقرار قانون تخصيص محامين عامين بيئيين متفرغين وقضاة تحقيق لشؤون البيئة وتعيين محامين عامين في المحافظات... والذي لم يستكمل بعد بتدريب القضاة وتخصيص خبراء بيئيين محلفين لدى المحاكم.
كما لم يشمل الحوار مدى جهوزية وزارة البيئة لإجراء دراسات تقييم الأثر البيئي للمشاريع الكبرى او دراسات تقييم استراتيجيا للخطط الحكومية مثل مشاريع السدود وشق الطرق والجسور وتغيير المعالم التراثية وبناء ناطحات السحاب في شوارع المدن الضيقة والمشاريع المسماة سياحية على قمم الجبال والقرى والشاطئ...الخ وتطبيق مبدأ الوقاية ومنحه الأولوية على مبدأ ان الملوث يدفع. بالإضافة الى حماية التنوع البيولوجي في لبنان والحيوانات والنباتات البرية والإرث الجيني ومنع إدخال المواد الغذائية والبذور المعدلة جينيا... الخ.