Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

الدولة الفاشلة - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 مهما كان قرار مجلس الوزراء حول إدارة النفايات اليوم، فقد «وقعت الواقعة». لقد وقع ما كان متوقعا، نظرا للسياسات الخاطئة التي كانت سائدة منذ وضعت الخطة الطارئة العام 1997 وحتى اليوم. ما كنا بحاجة الى منجمين كي نعرف مصير هذا الملف المشؤوم. فهو ليس اقل من أزمة حضارية، أزمة حضارتنا. والتعثر الدائم في ادارة هذا الملف ليس الا نتيجة لتعثر مشروع بناء الدولة، في خلاصته، ونتيجة حتمية للثقافة الاستهلاكية السائدة.
جوهر ما هو مطروح على جدول أعمال مجلس الوزراء، قرار سيترك للمتعهدين ان يحددوا هم انفسهم التقنيات وأماكن معالجة النفايات! فكيف يمكن تفسير مثل هذا القرار، اذا ما تم التوافق عليه؟ فإما ان الدولة والحكومة تخلتا عن أدوارهما ومهماتهما نتيجة عجزهما، وإما ان هناك تواطؤا ما قد حصل مع متعهدين معينين، بحسب توزع القوى السياسية في الحكومة. وفي كلتا الحالتين النتائج ستكون كارثية. فتخلي الدولة عن مهماتها في وضع الاستراتيجيات والتخطيط والتشريع والتنفيذ والمراقبة والمحاسبة، كارثة. وهو يعني إعلان حالة الإفلاس التنظيمي واعلان «الدولة الفاشلة». اما كارثة خصخصة معالجة الكوارث، فإنها ستخلق حالا من الفوضى لا مثيل لها قد تذكرنا بمرحلة الحرب الاهلية.
كما ان تسويق قرارات مفلسة وغير مقنعة كهذه سيكون صعبا جدا حتى في البيئات الأكثر تماهيا وانسحاقا مع سياسيين معينين. وعلى الذين يرفعون اصواتهم اليوم لتطبيق مبدأ ان تهتم كل مجموعة او منطقة او طائفة بمعالجة نفاياتها، ان يعرفوا ان وقع «منطق» كهذا على الناس ليس اقل من وقع مطالب «الحكم الذاتي» او «الإدارة المحلية»، هذا المنطق الذي سيطر على الكثير من العقول الصغيرة اثناء الحرب الاهلية في لبنان. صحيح ان الفلسفة البيئية تقوم في الأساس على علم البيولوجيا الذي يدعو الى احترام التنوع البيولوجي... لكن هذا «التنوع» لا يعني الانفصال، بل هو من صلب شبكة الحياة الواحدة. واذا كان صحيحا أيضا ان افكار التوحيد هي دائما قسرية ولا ينجم عنها غير القمع، ثم ثورات او حالات غير مستقرة... الا ان التنوع هو جزء من كل، وهو يحتاج الى مركزية معينة من ضمن اي ادارة لامركزية. وهذا يعني ان معيار نجاح أية سياسات، هو في مدى شموليتها وفي مدى حفظها للتنوع في آن. وما كان ينقص موضوع ادارة النفايات سوى استراتيجيا وطنية تضعها الدولة (الحكومة والوزارات المعنية) تحدد المشكلة ومصادرها وكيفية التخفيف من حجمها وكيفية معالجتها... بإشراك السلطات المحلية والقطاع الخاص. وعلى ان تكون هذه الاستراتيجيا والخطط شفافة، تم إشراك الجميع (من وزارات ومجالس بلدية ومنظمات غير حكومية ومؤسسات اكاديمية وقطاع خاص وإعلام متخصص...) في وضعها ومناقشتها وتبنيها، وتُرك فيها ادوار لجميع الفاعلين فيها، ان على المستوى الوطني او المحلي او الفردي. وان اي حل لا يشمل الأطراف كافة، لن يكتب له النجاح. فالاستراتيجيا المطلوبة يفترض ان تحسس كل مؤسسة او فرد بأنه مسؤول عن إنتاج المشكلة وانه جزء من الحل، يفترض ان يساهم فيه في حدود معينة تحددها القوانين وآليات المعالجة. وان هناك عدالة ما في تحمل الاعباء في المعالجة وان هناك كلفة معينة يجب دفعها. وان زمن «ان نرمي الأشياء وراء ظهرنا ونمشي» قد ولى. وقد علمتنا التجارب ان كل ما نرميه خلفنا انما نرميه بوجه أناس آخرين... والدليل على ذلك تلك المكبات هنا وهناك التي تتجاوز كلفة معالجتها الآن اضعاف تمويل اية خطة جديدة لمعالجة نفايات جديدة!
اما حول الخيارات التقنية للمعالجة فيمكن القول، ان أفضل تقنية في العالم مع حكومة فاشلة يمكن ان تتسبب بكارثة، كما أن أسوأ تقنية مع حكومة مسؤولة يمكن ان تخفف الأضرار الى الحد الادنى.
اما حول الاعتراضات الشعبية التي ظهرت في الفترة الأخيرة والتي كانت متوقعة، والمتوقع تصاعدها مع اكتشاف مدى هزالة ما ستخرج به الحكومة، فهي أيضا يفترض ان تكون مسؤولة. ويكون الاعتراض مسؤولا، عندما ينطلق من التشديد على وجود الدولة المسؤولة والعادلة والتي تضع استراتيجيات بدلا من الخطط البالية... ولا يكتفي بمطلب نقل المشكلة من منطقة ورميها على منطقة أخرى. فهل سيؤدي تفاقم المشكلة وعملية تراكم النفايات في الشوارع قريبا، كما كتبنا سابقا («السفير» 3/12/2014)، الى صحوة ومقاربة مختلفة للملف؟

← Back to Selected Articles