Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

تعطيل المؤسّسات «تشبيح» سياسي - غسان العياش (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

لا داعي للتكرار بأن تأخير انتخاب رئيس للجمهورية، بعد مرور عام على الفراغ الرئاسي، يرتب أثماناً باهظة على الاقتصاد اللبناني، وعلى الاستقرار والنظام وسائر نواحي الحياة السياسية.
هذا مفهوم ومتفق عليه. لكن ما يعصى على الفهم أن كتلاً وأحزاباً وقيادات سياسية تريد أن تضاعف كلفة الفراغ عن سابق تصوّر وتصميم، تارة بعرقلة مسار العمل الحكومي وطوراً بتعطيل التشريع في المجلس النيابي.
إنه «تشبيح» لا سابق له في تاريخ لبنان السياسي والبرلماني، برغم شوائب هذا التاريخ ومثالبه الكثيرة. إنه ابتزاز موصوف يمارسه صاحبه في ضوء الشمس ولا يخجل من تقديم بطاقة زيارة لضحاياه. اللعبة السياسية هي التي تعطّل انتخاب الرئيس، الطموحات الشخصية والخصومات المتجذرة والفيتوات المتبادلة تمنع الخروج من الفراغ الرئاسي وملء الشغور في قصر بعبدا، فما ذنب الشعب لكي يدفع فاتورة الفراغ مرّتين؟ هل تبيح الشعارات الطائفية الواهية إلى هذا الحدّ ذرّ الرماد في العيون وتغطية الإسفاف في العمل السياسي؟
يقولون إنهم يوافقون على «تشريع الضرورة» فقط، يضيّقون مفهوم الضرورة إلى الحدّ الأدنى، يتبارون في تفسيره ثم يختلفون عليه. كل تشريع في حالتنا اللبنانية هو ضرورة، وكل قرار حكومي يجب بتّه فور عرضه، وتنفيذه في أسرع وقت. هذه هي القاعدة الصحيحة، سواء اتفقتم على انتخاب الرئيس فوراً، كما يتمنى اللبنانيون، أو استمرّ الفراغ الذي تفرضونه بأيديكم، عقداً من الزمن.
الاستهتار بإدارة الشؤون العامّة جريمة كبرى في بلاد تتوالى فيها، شهراً فشهراً، المؤشرات الدالّة على تراجعها الاقتصادي والاجتماعي، بسبب حدّة الصراع السياسي، وارتفاع المخاطر الأمنية، وتسيّب الدولة وتأثير الأزمات التي تعصف بمحيطنا القريب. الأرقام لا تتوقف عن إرسال الإنذار تلو الإنذار، وأخصّها مؤشرات مالية الدولة.
الأرقام المعلنة تفيد بأن الدين العام بلغ حدود 70 مليار دولار، ما يقارب 150% من الناتج المحلي القائم. ولكن الرئيس حسين الحسيني، المعروف برصانته وحرصه على الكلام المسؤول، قال في حديث صحافي أمس الأوّل إن الدين هو في حدود 100 مليار دولار، أي ضعفي الناتج المحلي، إذا ما أضيفت إلى الدين المعلن، الذي تترتب عليه فوائد، أموال البلديات والضمان الاجتماعي وديون المقاولين والاستملاكات والمستشفيات وغيرها. بصرف النظر عن المبلغ الدقيق للدين العام، من المعروف أن الحكومات قد اعتادت على تجميل مؤشرات المالية العامّة وإخفاء قسم غير بسيط من التزامات الدولة.
قبل أيام نشرت وزارة المالية الأرقام النهائية عن نتائج المالية العامّة لسنة 2014، فأكدت المؤكّد، وهو التأثير السلبي لغياب الدور المبادر والقيادي للدولة. مع ذلك، هناك اقتراح بمزيد من التعطيل لما تبقى لها من دور ولجم قدرتها على إصدار القوانين واتخاذ القرارات.
أظهرت الأرقام أن السلبيات عائدة لسوء الإدارة والواقع السياسي وتأثير الأزمة الإقليمية، أمّا الإيجابيات فهي من صنع ظروف ساقها القدر، ولا فضل فيها لأحد. بتعبير آخر، نحن صنعنا السلبيات أما الإيجابيات فجاءتنا من تلقاء نفسها، ومن دون أي عناء.
بيّنت النتائج هبوطاً ملموساً في عجز الموازنة قياساً بالعام الذي سبق. السبب الرئيسي ليس نموّ الاقتصاد ولا نشاط الإدارة، بل هي التحويلات الاستثنائية المجمّعة لإيرادات الاتصالات. يقابل ذلك نموّ متواضع لنفقات الموازنة والخزينة معاً، نتيجة تأجيل نفقات ومستحقات والتقاعس عن تنفيذ مشاريع حيوية. فقد زادت الإيرادات بمبلغ 1.5 مليار دولار، فيما لم تتجاوز الزيادة في النفقات 311 مليون دولار، وبذلك انخفض العجز بما يزيد عن 1.1 مليار دولار.
الإيرادات الضريبية زادت بنسبة 2.7% فقط مقابل زيادة 40% في إيرادات الاتصالات، ممّا رفع الإيرادات غير الضريبية بنسبة 33%. وقد نمت نفقات الموازنة بنسبة 15%، قبل جمعها مع نفقات الخزينة، بينها زيادة 11% في خدمة الدين العام مّما يعزز طبيعتها العقيمة وغير المساعدة على النموّ الاقتصادي.
في نشرته الفصلية الأخيرة عن الاقتصاد اللبناني لاحظ البنك الدولي تحسناً طفيفاً في النموّ الاقتصادي. ولكنه سرعان ما كشف أن هذا التطوّر الإيجابي يعود في جزء منه إلى انخفاض سعر برميل النفط وليس إلى المعالجة المطلوبة للمشكلات المزمنة. وإذا أضفنا إلى انخفاض سعر النفط تراجع اليورو أمام الدولار يبدو أن أي تحسّن في أرقام المالية العامّة والحسابات الخارجية والناتج المحلي لم تُصنع في لبنان.
بالمناسبة، وخارج السياق، يذكر التقرير نفسه بأن الخلل البنيوي في قطاع الكهرباء يشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد اللبناني، منذ عقود، ويلفت إلى أن الاستثمارات والتحويلات لمؤسّسة كهرباء لبنان تشكل 40% من الدين العام، وتعادل التحويلات المذكورة نصف عجز الموازنة.
الغاية من إيراد هذه المعطيات هي إعطاء أمثلة حسّية و»طازجة» عن حجم المشكلات التي تتطلب استنفار المؤسّسات الدستورية لمعالجتها، وإزاءها يصبح تجميد حركة المؤسّسات الدستورية دفعاً مقصوداً بالبلاد نحو الهاوية.
كل ذلك مقابل «ترف» اللعب والمناورات في معركة رئاسة الجمهورية. من يستفيد من إيصال الرأي العام، أو قسم كبير منه، إلى القول في وقت قريب: انتخاب الرئيس مهمّ ولكنه ليس الأولوية، الأولوية هي لتجنيد وتنشيط ما تبقى من سلطات ومؤسّسات لإنقاذ ما تبقى من لبنان واقتصاده.

← Back to Selected Articles