Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

أزمة اليقين العلمي - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 لم تعد «الحاجة ام الاختراع». متطلبات اقتصاد السوق هي التي باتت تحدد كل شيء. ومن يراجع معظم ما يسمى «اختراعات» في العالم، يعرف كم باتت قوى السوق المسيطرة تتحكم بكل شيء تقريبا. فهي التي تخلق الحاجات وتخترع تقنيات وسلعا لإشباعها في دوامة فظيعة لم يسبق لها مثيل. إلا أن هذا النوع من الاقتصاد خلق الكثير من الأزمات والمشاكل والأمراض التي لا مثيل لها ايضا في سرعة انتشارها على الاقل. تعقدت الحياة واهتزت كثيرا اركان ما يسمى «اليقين العلمي». فكيف يمكن تحديد الامراض وتصنيفها في ظل هذه الزيادة الهائلة في أعدادها وفي ظل تداخل العوامل المسببة لها وفي ظل بيئة متغيرة دائما تم التلاعب ببنيتها الطبيعية مع الكثير من «الثورات العلمية» المتتالية وعمليات التصنيع التي لا تعرف الحدود.
كيف يمكن تصنيف الأمراض وتشخيصها وتحديد «الأخطاء الطبية» في ظل هذا التداخل الكبير بين الأمراض الجديدة ومسبباتها وعوارضها؟ وكيف يمكن الحديث عن «سلامة الغذاء» في ظل هذا الكم الهائل من الملوثات وهذا التغير والتداخل بين البيئات المنتجة للأمراض والأوبئة؟ وكيف نستسهل اليوم الحكم في قضايا البيئة او الغذاء او الصحة العامة في غياب المرجعيات الموثوقة وفي غياب «اليقين العلمي» عموما؟
أبصرت «الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية» النور في العام 2002 عقب ازمة جنون البقر في أوروبا وتلوث الدجاج بالديوكسين في بلجيكا. وجاءت كنتيجة لزعزعة ثقة المستهلكين بلجان الاغذية الوطنية، عندها قرر الاتحاد الاوروبي تعزيز مؤسساته بالمشورة العلمية التي لا يرقى الشك إلى مصداقيتها، مع محاولة الفصل بين تقييم الاخطار بصورة تقنية وما بين القرارات السياسية.
تعددت اختصاصات هذه الهيئة ما بين الامراض الحيوانية والاضافات الغذائية وتقييم الاخطار البيولوجية الناجمة عن مبيدات الحشرات وصولاً الى الأغذية المعدلة جينياً... الا انه سرعان ما تم التشكيك بمصداقية هذه الهيئة ايضا بعد ان تبين ان معظم اركانها على ارتباط بشركات كبرى تستثمر في الكثير من مفاصل الحياة!
فاذا كانت هذه مشكلة اعلى هيئة اوروبية تعنى بشؤون سلامة الغذاء، فكيف ستكون الحال مع هيئات وطنية في البلدان النامية مثل لبنان يتداخل فيها التجاري مع السياسي والعلمي والتقني...؟
فالكثير من الشركات كما بات معلوما تستثمر في الجامعات ومراكز الابحاث العلمية وفي الإعلام بالإضافة الى سوق الاعلانات. بالإضافة إلى الاستثمارات في السياسة عبر دعم الحملات الاعلامية للمرشحين السياسيين الذين يصبحون بدورهم في مواقع مسؤولية متقدمة، يستفاد منهم بتسهيل إنتاج التشريعات الضرورية لحماية مصالحهم ومنتجاتهم. بالإضافة الى الاستثمار بمنظمات المجتمع المدني الناشطة عبر تمويل بعض انشطتها السطحية...الخ.
في ظل هذا المشهد البالغ التعقيد الذي يظهر فيه تقاطع وتضارب المصالح، بات من الصعب اليوم الحديث عن «اليقين العلمي» بشتى اشكاله الصحية والغذائية والبيئية. لا بل يفترض بالعارف بكل هذه التقاطعات ان يشعر بالهلع من أي مكون وبالخشية من اية سلعة.
لم نصل الى هذه النتيجة التراجيدية بسرعة كبيرة نسبيا. لقد بدأ التأسيس لها يوم تخلينا عن مهمات العقل الاولية للمعرفة والتعقل والحكمة، واستسهلنا تحويله الى عقل عملي ونفعي.
لقد سررنا كثيرا بمكتسبات مرحلية كانت تؤمنها دائما الاكتشافات العلمية، الناجمة عن العقل العملي والنفعي، ولم يكن لاحد ان يجسر على الظن بأنها ستتحول الى كوارث جديدة. لم تكن كل التقنيات مرغوبا بها عند نشأتها في الغرب، وقد خيضت معارك كثيرة شارك فيها اطراف عدة وطرحت خلالها المشاكل العلمية والأمراض والآفات الحديثة، وظهرت فيها كيفية تداخل العلمي بالسياسي بالاجتماعي بالاقتصادي، وظهر التشكيك جليا بالكثير من الصروح العلمية الكبرى، إلا ان الانتصار كان دائما لمصلحة اقتصاد السوق وأركانه.
فعندما طرحت قضية جنون البقر في وسائل الإعلام الفرنسية العام 1996، على سبيل المثال، أدرجت هذه القضية تحت عنوان «الأحداث العلمية والتقنية ذات الطابع السياسي». واذا راجعنا وسائل الإعلام اليومية في تلك الفترة قد نلاحظ بوضوح انها لم تكن تنشر «خطاب العلم»، بل الخطاب عن العلم وحوله وفي علاقته الصدامية مع المجتمع وقواه لا سيما مراكز الأبحاث والخبراء والصناعيين والسياسيين والناشطين في المجتمع المدني...الخ.
وهكذا تم الاستنتاج ان موضوع «اليقين العلمي»، لم يعد شيئا يمكن تعريفه او التحقق منه، وليس هناك من مرجع يستطيع ان يحسم أي خلاف. ولذلك ربما بدأ التركيز على مبادئ جديدة، مستمدة من الفلسفة وليس من لغة العلم بذاته. بين هذه المبادئ الاكثر شهرة، والذي ابتعد الى حدود بعيدة عن السجالات حول قضايا تتداخل فيها المصالح العلمية مع التقنية والصناعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية... «مبدأ الاحتياط». او كما يسميه البعض مبدأ الاحتراز او الاحتراس. وهو الذي يعبر عن الإجراءات المفترض اتخاذها تجنبا لضرر او للتخفيف من أثره. فهل يؤمن هذا المبدأ الطمأنينة النفسية بدل اليقين العلمي؟ للحديث صلة.
حبيب معلوف

← Back to Selected Articles