انطلاق أعمال قمة المناخ في باريس من دون آمال كبيرة - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
افتتحت أعمال قمة المناخ الـ21 في باريــــس أمس، في ظل تظاهرات متفرقة عمّت بقعاً صغيرة من أنحاء العالم، باستثناء باريس، مــــكان انعقاد القمة، بسبب الإجراءات الأمنية بعد الاعتداءات التي تعرّضــــت لها العاصمة الفرنسية مؤخراً. وقد تمّ التعويض عـــن هذه التظاهرات في باريس امس بحركة خــارج مقر المؤتمر، حيث شكل البعض سلسلة بشرية تؤدي إلى 22000 من الأحذية وضعت في ساحة الجمهورية، مثلت هذه الحركة الذين كانوا من المقرر أن يتـــظاهروا دعماً لاتفاق طموح للمناخ لو لم تقع الهـــجمات الإرهابية على باريس.
من خلال التجارب السابقة لتقييم انطلاقة المؤتمرات المشابهة، لا يمكن الرهان على حجم حضور رؤساء الدول والحكومات للدلالة على مدى الجدية وبناء التوقعات. ولا على خطابات الرؤساء التي تقر بالمشكلة عادة في الظاهر ولا تعمل لتفاديها في الواقع. فبالرغم من الإعلان عن مشاركة ما يقارب 150 رئيس دولة وحكومة في أعمال القمة الباريسية، إلا أن مؤشرات نجاح هذه القمة في الوصول الى اتفاقية جديدة وشاملة وملزمة او بروتوكول جديد يحل مكان بروتوكول كيوتو ويعتبر أداة قانونية تنطبق على كل الأطراف للحدّ من تغير المناخ ووقف ارتفاع درجات حرارة الارض عند درجتين مؤيتين فقط (يبدأ تنفيذ هذا الاتفاق - البروتوكول العام 2020)، تدل أن العالم لا يزال بعيداً عن تحقيق الأهداف، لاسيما اذا كانت تتطلب تخفيضات كبيرة في الانبعاثات العالمية، مع العلم أن ذلك لن يحصل، الا إذا تم التراجع عن النموذج الحضاري المسيطر.
لعل السؤال الذي يفترض أن يطرح عشية بدء مفاوضات المناخ المصيرية التي بدأت اعمالها في باريس امس هو: ما الذي يمكن ان يدفعنا للاعتقاد بإمكانية نجاح «اتفاق باريس للمناخ» اذا أنجز، بعد ان فشل بروتوكول كيوتو؟ وهل صحيح فقط ان احد اهم أسباب فشل تطبيق بروتوكول كيوتو للحد من الانبعاثات المتسببة بتغير المناخ، انه لم يكن شاملاً لكل دول العالم، اذ اقتصر بداية في مرحلته الأولى على إلزام البلدان المتقدمة فقط، مما فتح باباً لبلد متقدم كالولايات المتحدة الأميركية بعدم التصديق عليه، بحجة أنه سيضرّ بالاقتصاد العالمي والأميركي ويجعل البلدان الناشئة وفي طليعتها الصين متقدّمة في الأسواق. فهل مجرد مشاركة رؤساء الدول الكبرى المؤثرة في مفاوضات باريس في هذه الجولة، مثل رؤساء الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، بالإضافة إلى مشاركة قوية من الاتحاد الأوروبي بطبيعة الحال، يمكن أن يضمن في هذه الجولة بالوصول إلى اتفاق دولي جديد شامل وملزم؟
واضح من مجريات التحضير لقمة مناخ باريس ولسير المفاوضات الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة، أن الدول تسير بإطلاق وعود وتعهدات أكثر من سيرها بالتزامات. صحيح أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، في عهد الرئيس الحالي باراك أوباما قد أخذت هذه القضية على محمل الجد أكثر من أي وقت مضى، إلا أننا كلنا نتذكر كيف ساهم آل غور في كيوتو العام 1997 في إخراج تسوية تقول على فكرة «بيع الكربون»، في نهاية أعمال قمة كيوتو أدت الى انقاذ المفاوضات (وليس الى إنقاذ الكوكب)، والقضاء على بروتوكول كيوتو في مهده. ففكرة بيع الكربون، لم تكن تعني الا عدم الرغبة في التخلي عن النموذج الحضاري المسيطر والمتسبب في الأزمة. صحيح ان آل غور عاد وتعمّق أكثر وأكثر في البحث في قضية تغير المناخ وحصل على نصف جائزة نوبل للسلام العام 2007، على فيلمه حول الموضوع وأصدر عدداً من الكتب بينها كتابه الأهم منذ عامين عن «المستقبل» وتغيّر المناخ... الا ان كل ذلك، ان دل على شيء، فإنه يدل على صعوبة الوصول الى اتفاق عالمي ملزم ومنقذ فعلاً للمناخ من دون اجراء تغييرات بنيوية في النظام العالمي، وهذا ما لا يتم بحثه في مفاوضات المناخ!
حبيب معلوف
في كتابه «المستقبل» الصادر العام 2013 في نيويورك، يتحدث آل غور عن ستة محركات للتغيير العالمي، داعياً الى إعادة السيطرة على مصيرنا وصياغة المستقبل. بين هذه المحركات نشوء اقتصاد عالمي مترابط بشكل عميق ومختلف عما كان عليه في الماضي، وظهور شبكة اتصالات الكترونية على نطاق الكوكب، وظهور توزان جديد بين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية في العالم يختلف عن التوازن الذي وفّرته الولايات المتحدة الأميركية بقيادتها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين وبعد أن انتقل التأثير العالمي من الأنظمة السياسية الى الأسواق ومن دوائر الأمم المتحدة الى منظمات جديدة مثل منظمة التجارة العالمية. بالإضافة الى المحرك الرابع القائم على ظهور النمو السريع غير المستدام في السكان والمدن واستنزاف الموارد والتربة السطحية ومنابع المياه العذبة والعديد من الكائنات الحية والزيادة المفرطة في استهلاك الموارد وزيادة التلوث ووضع مقاييس للناتج الاقتصادي التي لا تأخذ بالاعتبار العواقب. اما الرهان الخامس او المحرك الخامس فهو بحسب آل غور يتمثل بظهور «مجموعة ثورية جديدة من التقنيات القوية في مجالات البيولوجيا والكيمياء الحيوية والجينية... والسيطرة الفعالة على التطوّر وتخطي الحواجز القديمة التي تفصل بين الأنواع... وابتكار خطوط جيدة في الطبيعة لم يسبق تخيّلها». وسادساً، ظهور علاقة جديدة وجذرية بين القوة الإجمالية للحضارة البشرية والنظم الايكولوجية للأرض.
وإذ يمكن الاستنتاج من طروحات آل غور، أن المحرك السادس والأخير، هو الذي يأخذ بالاعتبار قضية تغيّر المناخ في جوهرها من أجل «إعادة تأسيس علاقة سليمة ومتوازنة بين الحضارة الإنسانية والمستقبل»، لم نفهم من طروحاته كيف سيتم هذا التوفيق، وأي إدارة عالمية ستراقب هذه الثورات، بعد أن سيطرت على العالم ثورات بدت الآن مدمرة، مثل تلك الزراعية والصناعية والجينية. ومن يضمن عدم تفلت العلوم من قبضة الرأسمال المستثمر حتى الاستنزاف؟ مع العلم أن كل هذه الاشكاليات وغيرها الكثير التي تشمل فلسفة العلم والأخلاق الجديدة التي تحتاجها التغيرات العالمية المطلوبة، لا تناقش في مؤتمرات المناخ الدولية! وقد ترك للدول أن تقدم هي بعض التعهدات عن تخفيض انبعاثاتها من دون المسّ ببنية النظام العالمي واقتصاد السوق وحريته!
نص الاتفاق او البروتوكول
بعد تكليف الفريق العامل المخصص المعني بمنهاج ديربان للعمل المعزز لإعداد مسودة الاتفاق وعقد اجتماعات عدة سبقت باريس والذي ظهر في أول شكل له في اجتماع جنيف في شهر شباط من هذا العام بما يقارب 86 صفحة. بدا التخوف من امكانية ان لا يحمل هذا النص الطويل قوة الاتفاق او قوة القانون الملزم، مع العلم ان اختصاره، وهو الامر المرجح يمكن ان يضفي عليه الكثير من الغموض، يكون مخرجاً للدول للتملص منه، حين يفتح باب الاجتهاد. مع الاشارة الى خروج كندا من بروتوكول كيوتو في السابق من دون أن يجد أحد في نص بروتوكول كيوتو (الفاشل)، أي فقرة ملزمة او أي عقوبة للذي يخرج من مندرجات البروتوكول. وتعتبر هذه النقطة محورية في تقييم ما يمكن الخروج به في مؤتمر باريس من ناحية الشكل، او من ناحية القوة القانونية للاتفاق.
كوارث الطقس
يظهر تقرير جديد صدر عن مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث عشية قمة المناخ في باريس أن 90 في المئة من الكوارث الكبرى على مدى السنوات العشرين الماضية، نجمت عن 6457 حالة من الفيضانات والعواصف وموجات الحر والجفاف وغيرها من الأحداث المتعلقة بالطقس.
ويخلص التقرير، المعنون «التكلفة البشرية للكوارث المتصلة بالطقس» إلى أن الدول الخمس التي تعرّضت لأكبر عدد من الكوارث هي الولايات المتحدة والصين والهند والفلبين، وإندونيسيا. مما يعني أن قضية تغير المناخ باتت لا تميز بين الدول الغنية وتلك الفقيرة ولا بين المناطق في العالم، وهي باتت عالمية فعلاً.
وقالت السيدة مارغريتا والستروم، مديرة مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، في بيان صحافي، «الطقس والمناخ، يُعدَّان من القوى الرئيسية الدافعة لمخاطر الكوارث ويوضح هذا التقرير أن العالم يدفع ثمناً باهظاً من الخسائر في الأرواح».
وأضافت «الخسائر الاقتصادية تشكل تحدياً كبيراً للتنمية في العديد من البلدان الأقل نموا في مكافحتها لتغير المناخ والفقر».
ويوضح التقرير والتحليل الذي أعدّه مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، ومركز بحوث أوبئة الكوارث ومقره بلجيكا، أنه منذ أول مؤتمر حول تغير المناخ العام 1995، قتل 606 آلاف شخص فيما تعرض 4.1 مليار شخص للإصابة والضرر وباتوا بلا مأوى أو في حاجة إلى مساعدة طارئة نتيجة للكوارث المرتبطة بالطقس
ويسلط التقرير الضوء أيضاً على الثغرات في البيانات، مشيراً إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث المرتبطة بالطقس هي أعلى بكثير من الرقم المسجل 1.891 تريليون دولار، وهو ما يمثل 71 في المئة من إجمالي الخسائر المنسوبة للأخطار الطبيعية خلال فترة عشرين عاماً. ويقدر مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث أن الرقم الحقيقي للخسائر الـــناجمة عن الكوارث، بما في ذلــــك الزلازل والتسونامي، ما بين 250 مليار دولار و300 مليار دولار سنوياً. لذلك كان الرهــان على مؤتمر باريس للحد من الانبعاثات وحصر الأضرار والخسائر على المدى البعيد.
ووفقاً للتقرير، تحظى آسيا «بحصة الأسد من آثار الكوارث» بما في ذلك 332 ألف حالة وفاة فيما تضرّر 3.7 مليار شخص. ويشمل إجمالي الوفيات في آسيا 138 الف قتلوا جراء إعصار نرجس الذي ضرب ميانمار في العام 2008.
وتم تسجيل ما معدله 335 كارثة متعلقة بالطقس سنوياً بين عامي 2005 و 2014، أي بزيادة قدرها 14 في المئة عن الفترة ما بين 1995-2004، وتقريباً ضعف المستوى المسجل خلال 1985-1995.
وبشكل علم، تسببت موجات الحر في مقتل 148 ألف شخص من إجمالي 164 ألف وفاة بسبب ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قصوى، مع حدوث 92 في المئة من الوفيات في البلدان ذات الدخل المرتفع.