الأصل الفلسفي للخيارات التقنية - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أكثر الحوارات عمقاً، أثناء زيارتنا العلمية الى برلين، حصلت مع كليمنس شتروتمان نائب رئيس المكتب الاتحادي لشؤون البيئة، وهو الذي أطلق مبادرة حول تجنب إنتاج النفايات والاهتمام بقضية التغليف، او لما يسمّى «مبادرة لتشجيع الأغلفة القابلة لإعادة الاستخدام». تنطلق هذه المبادرة من فكرة أن إعادة التصنيع موفرة في الاقتصاد عموماً وعلى البيئة خصوصاً، لاسيما لناحية حماية الموارد من الاستنزاف.
طرحنا على شتروتمان اسئلة عدة حول متطلبات إعادة التصنيع لاسيما لناحية زيادة استهلاك الطاقة والمياه وأنه قد يأتي يوم تتمّ المفاضلة بين استخدام المياه لصناعة الكرتون أم للشرب! وان فكرة وفلسفة الرفاهية التي تمّ إنتاجها وتبنّيها في الفكر الغربي، قد تبدو مدمّرة على مستوى الكوكب، لاسيما أن تلبيتها تطلب زيادة التصنيع والإنتاج وزيادة غير متناهية في استنزاف الموارد وزيادة حجم النفايات... وأنه لا يمكن الرهان على التكنولوجيا وحدها لحل المشكلات التي تسبّبت بها التكنولوجيا نفسها... بل هناك حاجة لفلسفة جديدة، لا بل فلسفة نقدية قديمة تمّ تجاهلها... الخ.
فتح هذا الموضوع سجالاً فلسفياً عميقاً وكبيراً. استبقنا هذا السجال بتأكيد أن موقفنا النقدي من الحضارة الغربية لا ينطلق من رأي عنصري ضد الغرب، بل متماهياً مع أفكار غربية (المانية في معظمها) غير تلك المسيطرة، وهي الأفكار النقدية التي حملتها حركة فكرية مهمّة كـ»مدرسة فرانكفورت» والتي انطلقت من نقد فكر الأنوار والحداثة والثورة الصناعية ومؤسساتها المسيطرة. كما استبقنا هذا التأكيد بعدم استشهادنا بفلسفة هايدغر الالمانية (والذي كان متهماً بمناصرة النازية، وهو الأمر الذي بات مكروهاً جداً من الالمان) بل بفكر رائد من رواد مدرسة فراكفورت والذي لا يزال على قيد الحياة كيورغن هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الالماني الذي أسس لمدرسة نقد التكنولوجيا كأداة سيطرة والدعوة الى عودة سلطة العقل التواصلي بدل العقل الانغلاقي، بعد هايدغر الذي بشر بضياع الإنسان في عصر سيطرة التكنولوجيا، انطلاقاً من مقولته الشهيرة في عصره باعتبار أن العلة الأساسية للإنسان المعاصر هي «نسيان الوجود والاهتمام بما هو موجود»، أي طغيان التكنولوجيا وتقدّمها على حياة الإنسان مما سيدفعه الى نسيان مسألة وجوده وكينونته وكيفية تحقيق حريته، والاهتمام بما هو موجود من تقنيات وادوات وسلع تتغير كل يوم من دون حساب لانعكاس كل ذلك على نضوب الموارد وتحول السلع نفايات يصعب لا بل تستحيل معالجتها على المدى البعيد. بالإضافة الى فكر رائدين آخرين من مدرسة فرانكفورت، هربرت ماركوز الذي تحدّث عن «الإنسان ذو البعد الواحد»، تحت سيطرة تقدم صناعة الأدوات وجعل الإنسان مجرد شيء مثل أي شيء، او ما يُعرف بـ «تشييء الإنسان»، واريك فروم الذي دمج ما بين النفسي والاجتماعي وأنتج فكره النقدي على قاعدة «نحوز أو نكون»، منبّهاً من زيادة التصنيع التي تتطلب زيادة الدعوات والإعلانات من أجل زيادة الاستهلاك وتملّك السلع، مما سيهدّد الوجود الإنسان، لاسيما على صعيد الحاجة الى زيادة انتاج الطاقة من اجل تشغيل كل الدورات الاقتصادية وصولاً الى التوسع في استخدام الطاقة النووية الخطرة والمدمرة، كما باقي السلع التي باتت تهدد ديمومة الموارد على هذا الكوكب الصغير.
بعد هذا العرض لبعض المفاصل الاساسية في الفكر النقدي الذي تم تجاهله في الفكر الغربي المسيطر، حاول شتروتمان المدافعة، معلناً صراحة عدم موافقته على طروحات يورغن هابرماس التي اعتبرها منافية للاحتياجات الأساسية للبشر، معتبراً أن غاية العلم الحديث والتكنولوجيا بشكل عام او الموازنة بين استخدام الإمكانيات المتاحة وتلبية الحاجات. الا اننا ذكرناه بتحليلات ماركوز النقدية، والتي ميّز فيها بين الحاجات الأساسية كتأمين المأكل والملبس والمسكن... والحاجات الكاذبة التي خلقها اقتصاد السوق والإعلانات. ولا حاجة الى البرهان اليوم، إن «الحاجات الكاذبة» وتلبيتها هي التي خلقت قضية النفايات في العالم، على اعتبار أن هذه القضية لم تكن موجودة في الأصل، وهي من نتاج الحضارة الحديثة.
أما الحوار الأكثر إثارة، فكان حين حملنا الثورة الصناعية والبلدان المتقدمة والصناعية مسؤولية تغير المناخ من خلال تراكم الانبعاثات (الناجمة عن زيادة وكثافة التصنيع) في الغلاف الجوي والتسبّب بأكبر أزمة عالمية شهدتها البشرية كتغير المناخ، معتبرين أن على الدول المتقدّمة أن تتحمل المسؤولية التاريخية (في تقدّمها) وتساهم في مساعدة البلدان النامية كضريبة على تقدّمها عبر نقل التكنولوجيا النظيفة مجاناً.
هنا ايضاً دافع شتروتمان عن البلدان الصناعية، معتبراً انها بدأت باتخاذ إجراءات للتخفيف من الانبعاثات عبر طرح سندات للكربون... مع العلم أن عمر الوعود لمعالجة موضوع المناخ ومبادرة الدول المتقدمة بتخفيف انبعاثاتها لم تتحقق لا بعد قمة الأرض العام 1992 ولا مع بروتوكول كيوتو العام 1997 ولن تتحقق مع اتفاقية باريس العام 1015 وأن الرهان على ان تنقذ التكنولوجيا ما تسببت به التكنولوجيا لن يكون في مكانه الا اذا تم انتاج ثقافات عالمية جديدة وقيم جديدة، بينها الأخذ بالاعتبار المنطلقات الفكرية للمدراس النقدية القديمة.