في مواجهة جريمة عشقوت والعنف المتصاعد - منى فياض (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تتوالى جرائم القتل غير المعهودة في لبنان، سواء لجهة حدتها أو وتيرتها التصاعدية، وآخرها جريمة عشقوت وقبلها حادثة الدهس التي تم قتل ضحيتها مرات عدة. إلى جانب ظاهرة تشويه الجثث وتقطيعها وقتل الزوجات الذي صار أسهل من تطليقهن، والحوادث الأمنية المتنوعة والاشكالات المتنقلة، ناهيك عن قتلى حوادث السير المرتفعة...
وفي كل مرة ينشغل المجتمع اللبناني بالجريمة المروعة وينشط الإعلام ويبالغ بنقل صور الضحايا؛ مع ملاحظة غياب صور الجناة إلا في حالات معدودة، وكأن المطلوب حمايتهم. على عكس ما يحرص عليه الإعلام الغربي من عرض لصور المجرمين مقيدين ومساقين الى العدالة ومنع عرض صور جثث الضحايا حفاظاً على حرمتها ومنعاً للاعتياد على صور القتل واستسهالها. (في علم النفس هناك ما يسمى "المحاكاة" أو mimetisme، وهي عملية تقليد العنف، فكلما عرضنا المزيد من صور العنف، ساعدنا على استسهاله وتالياً انتشاره).
لكن إعلامنا يتسابق على عرض الصور واللقطات المثيرة لجلب المزيد من المشاهدين، وتكثر "الخبريات" في محاولة لفهم دوافع الجريمة في المباشر والآني ولماذا ارتكبها الجاني. وسرعان ما تُنسينا جريمة جديدة تلك التي سبقتها. من الطبيعي الاهتمام بالجريمة حال حصولها ومحاولة التعرف على المجرم؛ لكن تكرار ذلك وحصر الجريمة بدوافعها الآنية وشخصية الجاني ينسينا الأهم، أي اننا صرنا نشهد ظاهرة اجتماعية ينبغي ربطها بوضعية المجتمع المنتج لها ككل من أجل موضعتها في سياقها العام لأنها لم تعد مجرد حالات فردية متفرقة بل مشكلة اجتماعية ضاغطة. فجرائم القتل صارت عند مرتكبيها المتزايدين أسهل من حل النزاع عبر الوسائل التقليدية أو في المحاكم (التي تتساهل أحياناً مع الجناة مما يفقدها صدقيتها) وخصوصاً مع وجود مناطق يمكن لمخالفي القوانين الاحتماء بها من العدالة.
فلماذا يفرز المجتمع اللبناني هذه الجرائم المروعة والمتواترة بحيث صارت تشكل خطراً يهدد الأمن المجتمعي نفسه؟
في أسبوع واحد حصلت جريمتان غير عاديتين لم نعرفهما من قبل على حد علمي. ربما دهسُ شخصٍ وهربُ الجاني يكون معتاداً، لكن أن تستمر السيارات بدهس الضحية دون التوقف ومحاولة المساعدة أو وضع عائق ما أمامها، يثير علامة استفهام كبيرة. الملفت ايضاً كان اهتمام المجتمع والمؤسسات الأمنية بالازدحام الشديد والهدر الاقتصادي الناتج عنه ونقص التنسيق بين الأجهزة وبمسؤولية قوانين السير ومن يجب أن نعاقب الجاني أم الضحية التي لم تستخدم جسر العبور في أوتوستراد مزدحم والسرعة عليه تصل إلى 80 كيلومتراً في الساعة!
أما جريمة عشقوت التي أقدم فيها رجل أمن على قتل أربع ضحايا من جيرانه لمضايقة كلب على ما نُقل؛ فهذه أيضاً، ومهما تكن ظروف الجاني الخاصة، مستجدة وملفتة؛ ويمكن قول الكثير حول شخصيته وتاريخه وظروفه. وهل هو سيكوباتي أم ضحية عنف مستتر الخ... لكن إغفال هوية المنفذ وهو المكلف حماية الأرواح من مثل هذه الأعمال؟ ذلك غير معهود أيضاً.
ذلك يشير بوضوح إلى ما نغفله، وهو أن المجتمع اللبناني ككل يعاني هشاشة الأمن الاجتماعي أو انعدامه. إنها ظاهرة يجدر أن تقض مضاجع المعنيين؛ من أجهزة أمنية مختلفة ومؤسسات اجتماعية وصحية وبيئية وغيرها، لكن قبل هذا وذاك آن الوقت لأن يقلق المسؤولون السياسيون الذين يتركون البلد يتفكك وينهار على جميع الصعد، معتقدين أنه يمكنهم الاستمرار في الفراغات على مستوى السلطات ويظل "البلد ماشي والوضع ماشي وبألف خير"!
فالمشكلة لم تعد متعلقة فقط بجرائم فردية يمكن فهمها على الصعيد الفردي أو الاجتماعي الضيق، إن لبنان ينزلق نحو بيئة حاضنة ومولدة للعنف. فالعنف والجرائم ليست مقطوعة عن السياق العام الموجودة فيه، فلبنان لا يعاني من الحرب بشكل مباشر كالبلدان المحيطة به، لكنه بدأ يدفع ثمن الضغط على بنيانه ككل، إضافة الى المعاناة من تدهور الاوضاع في المنطقة، على خلفية تروما حربه الأهلية نفسها التي لم يتخلص من مخزون الغضب والغبن الذي تركته في النفوس ولم تتم تصفية آثارها كما يجب.
ما يحصل هو عوارض صحة ذهنية متدهورة، وإذا كانت العادة أن يتم ربط مفهوم الصحة النفسية بالمرض العقلي والاضطرابات النفسية التي تطال الفرد؛ يبقى أن للصحة الذهنية بعداً أشمل؛ لأنها نتاج تفاعل نشط بين عوامل عدة، منها البيولوجية المتعلقة بالمميزات التكوينية والفيزيولوجية والنفسية عند الأشخاص، وتلك المرتبطة بالجوانب المعرفية والعاطفية والعلائقية، إلى العوامل السياقوية والتي تعود إلى علاقات الأفراد مع المحيط.
ترتبط الصحة الذهنية أيضاً بالقيم الجماعية المسيطرة في مجتمع ما كما بالقيم الخاصة بكل شخص، وهي تتأثر بالشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فكلما تدهورت هذه كلما ساهمت بتدهور الصحة الذهنية. فالشروط التي تضر بالتكيف المتبادل بين الشخص وبيئته، كالفقر أو التلوث أو التمييز العنصري تشكل عقبة في وجه الصحة الذهنية. وعلى العكس يساعد التوزيع العادل للثروة الجماعية والحصول على تعليم نوعي وبيئة صحية، على الصحة الذهنية ويدعمها. إنها من هذا المنظار مصدر للموارد الجماعية يساهم فيها كل من المؤسسات الاجتماعية ومجمل الجمهور كما الأشخاص من ضمن اعتبارهم كأفراد. إن المجتمع ككل معنيّ بالصحة الذهنية للشعب أو للمجموعات التي تكونه.
في لبنان تتوافر جميع المؤشرات المساعدة على إنتاج العنف، وإذا أردنا الفهم في سياق سيستيمي systemic، علينا الربط بين الإحباط والتفكك والعنف الأسري، وصولاً إلى العنف بين المجموعات والطوائف والعنف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
فنسبة الجرائم تزداد بازدياد عدد السكان حتى نسبة معينة، الأمر الحاصل في لبنان نتيجة النزوح الكثيف الذي بلغ نسبة غير معهودة من قبل على المستوى العالمي (يكاد يعادل نصف عدد السكان). فالجرمية مرتبطة بوجود تمركز للمساكن الفقيرة أو ما يعرف بأحزمة الفقر. والجرمية غير القصدية والمرتبطة بالحوادث ترتفع بارتفاع الكثافة السكانية وتدهور نوعية الحياة وضعف الرقابة الاجتماعية الناتجة عن النزوح والفقر؛ فانتقال الأفراد وتغيير مكان سكنهم الأصلي، يفقدهم مقاومة ارتكاب الجنح التي توفرها الرقابة الاجتماعية التقليدية. إن الشعور بالغربة يترافق مع انهيار البنى التقليدية ويضعف المقاومة أمام مناسبات القيام بالجنح لبعض الأفراد الذين يعانون هشاشة ما في نواح أخرى. كما ان قضاء الأطفال وقتاً طويلاً في الشارع يساهم في الانحراف وإنشاء عصابات. ناهيك عن البطالة وغياب الأفق أمام الشبيبة والوضعيات الصعبة من دون مخرج.
ومن الملاحظ هنا أن دور الإعلام في تضخيم العنف وجعله نموذجاً شائعاً يُضاف كعامل مساعد بحسب كيفية تقديم التفاصيل لمختلف الحوادث التي تحصل، مما يثير أكثر الغرائز انحطاطاً ويجعل الرأي العام متآلفاً مع هذه الحوادث ومعتاداً عليها. ويعتبر هذا من عوامل التعلم المسبق عند الفرد. وأول من يلجأ الى العنف هم الأشخاص الذين في وضعيات هشة أكثر من غيرهم.
إن استمرار الواقع المحيط على هذا المنوال يجعلنا نعيش في ثقافة تستسهل العنف وتجد له ذرائع وتجعله مقبولاً نسبياً. وهذا ما تجب معالجته في مجتمعنا عبر تحمل المسؤولية السياسية والإعلامية والاجتماعية.