من قصد رئيس الجمهورية بملاحظته عن دعم الليرة بالدين؟ - غسان العياش (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كان لافتا للنظر قول الرئيس ميشال عون أمام وفد الهيئات الاقتصادية، الذي زاره مهنّئا، «إن الليرة اللبنانية لا يجوز أن تبقى مدعومة بالدين، فالاقتصاد هو الداعم الأول للعملة اللبنانية».
هذا المبدأ «العمومي» هو القاعدة الذهبية بالنسبة للسلطات النقدية، وهو دليلها في عملها للحفاظ على سلامة النقد وعلى استقراره. لكن طرحها من قبل رئيس الجمهورية في أوّل لقاء له، بعد انتخابه، مع قادة القطاعات الاقتصادية يعتبر إدانة للطريقة التي اتّبعت منذ سنة 1993 لحماية الاستقرار النقدي في لبنان. ومع أن الرئيس عون انتقد مرارا، قبل تولّيه الرئاسة، ما كان يسمّيه «سياسة إغراق البلاد بالديون»، فإنه هذه المرّة يتناول بالتحديد الدين المخصّص لدعم الليرة اللبنانية، موجّهاً سهامه إلى الطريقة المتّبعة في تثبيت سعر صرف الليرة منذ عقدين ونيّف.
ملاحظة الرئيس تطرح بعض الأسئلة: من هي الجهة التي يغمز الرئيس من قناتها؟ أهو النظام الذي ساس البلاد منذ اتفاق الطائف؟ أم هو مصرف لبنان، الذي اعتمد في الفترة الأخيرة عمليات مقايضة متشابكة لدعم الاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية عن طريق زيادة التزاماته (مديونيته) تجاه المصارف؟ وبعد ذلك، هل يملك العهد الجديد تصوّرا للاستغناء عن الاقتراض لدعم الليرة؟
للرئيس ميشال عون حيّز واسع من الحق في التبرّؤ من السياسات المالية التي راكمت، على مدى عقدين ونيّف، ديوناً من أهمّ غاياتها دعم سعر صرف الليرة اللبنانية بأي ثمن. فيوم تأسّست هذه السياسات وشُرع بتطبيقها كان العماد عون مغيّباً عن لبنان وممنوعاً من المشاركة بالسلطة. ومنذ عودته المتأخرة إلى لبنان، تنحصر مسؤوليته بنسبة حصّته في «الشركة السياسية» التي حكمت البلد حكماً انقسامياً و«تعطيلياً» ومضطرباً. هذا «الحكم غير الرشيد»، معطوفاً على الظروف الإقليمية وارتداداتها، جعل الليرة اللبنانية عرضة للمخاطر وبأشدّ الحاجة إلى الاحتماء بالوسائل الاستثنائية وبالاقتراض، حتى لا تنهار وينهار معها كل الكيان الدستوري والمالي والاجتماعي في البلاد.
خلاف ذلك، لا يؤخذ على «التيّار الوطني الحرّ» أي دور خاص ومباشر، في السنوات الأخيرة، مسيء إلى المالية العامّة، ما خلا الموقف غير المُقْنِع، أو، على الأقلّ، المثير للجدل بتعطيل إصدار الموازنة إلى حين بتّ الخلاف على المبالغ التي أنفقت خارج إطار الإجازة البرلمانية، أي ما عرف بمعضلة الـ11 مليار دولار. فكان الواجب يقضي باستمرار إصدار الموازنة، سنة بعد سنة، وإحالة أي مبالغ معلقة إلى التحقيق القضائي والبرلماني.
إذا كانت ملاحظة رئيس الجمهورية تتعلق بسياسة الاقتراض عموماً، فليس مصرف لبنان معنياً بها. إن اقتراض الدولة، من أي مصدر كان، هو شغل الحكومة ووزارة المالية ويتمّ حكماً بإجازة من المجلس النيابي. وليس للمصرف المركزي دور جوهري في تحديد غاية الاقتراض أو شروطه، عملةً وآجالاً وفوائد، لكن ارتباك الدولة وإدارتها المتهافتة، أمام دين عام يفوق قدراتها، جعلا مصرف لبنان يلعب دوراً في ترتيب إصدارات الدين يفوق المدى المحفوظ له في العرف والقانون.
ولكن ورود كلام رئيس الجمهورية بعد عمليات المقايضة الكبيرة التي بدأها مصرف لبنان منذ بضعة أشهر تجعل المصرف هدفاً محتملاً لملاحظة الرئيس، لأن هذه العمليات هي، في جوهرها، اقتراض المصرف من المصارف بقصد تعزيز احتياطه بالعملات الأجنبية لدعم الليرة اللبنانية، اذا ما اضطرته الضغوط النقدية إلى ذلك.
قرّر مصرف لبنان القيام بهذه العمليات، غير المألوفة، في ذروة أزمة الفراغ الرئاسي، التي تزامنت مع تعثر آلية العمل الحكومي وتوقف مجلس النوّاب عن العمل. لقد كان المصرف متوجّسا من تطوّر الأزمة السياسية، وبالتالي اشتداد الضغوط على الليرة اللبنانية، ناهيك عن التراجع المستمرّ في ميزان المدفوعات.
حتى قبل حديث الرئيس ميشال عون أمام الهيئات الاقتصادية كانت «هندسات» مصرف لبنان موضع نقاش وتباين في وجهات النظر، بسبب التزاوج بين نتائجها الإيجابية وآثارها السلبية.
في الجانب الإيجابي، أتاحت العمليات للمصرف استقطاب إيداعات إضافية بالعملات تفوق العشرة مليارات دولار. وتعزّزت بذلك الموجودات الخارجية لمصرف لبنان، التي ارتفعت إلى 41 مليار دولار. ولأن مصرف لبنان بذل ما في وسعه لاستقطاب الإيداعات الجديدة من الخارج، فقد سجّل ميزان المدفوعات فائضا بحدود 1.78 مليار دولار في شهر آب الماضي، مقابل عجز 1.6 مليار في الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2015.
بالمقابل، كما قال الرئيس ميشال عون، كل اقتراض لدعم الليرة اللبنانية هو ظاهرة مضرّة تترتّب عليها حكماً أضرار وخسائر.
يؤخذ على التدابير الاستثنائية لمصرف لبنان أنها «ابتدعت» أرباحاً سريعة وغير مألوفة للقطاع المصرفي، وأدّت، في بعض الأحيان، إلى مضاربات على الودائع بين بعض المصارف جعلتها تعرض على زبائن «محظوظين» فوائد فاحشة بما لا يتناسب مع الممارسات المصرفية السليمة. ولكن أبرز السلبيات يتمثل بالنتائج التضخّمية الممكنة لكمية النقد اللبناني الكبيرة التي خلقها مصرف لبنان مقابل العملات التي استقطبها. وإذ اتخذ المصرف بعض التدابير الهادفة إلى تخفيف المفاعيل التضخّمية لليرات اللبنانية «الوليدة»، تبقى معضلة امتصاص هذه الليرات لدرء خطرها المحتمل في سوق النقد. الحلول المطروحة تضخّم التزامات الخزينة والمصرف المركزي تجاه المصارف، وتزيد أعباءهما، من دون حاجتهما إلى ديون بالليرة اللبنانية.
بعد «الاقتراض لدعم الليرة» على هذا النحو وصلت ودائع المصارف في مصرف لبنان إلى مستوى لا سابق له، ما يعادل 85 مليار دولار، وباتت توظيفات المصارف في القطاع العام، بما فيه المصرف المركزي، تشكل 61 في المئة من موجودات مصارف لبنان، أي ما يمثل 230 في المئة من الناتج المحلي. فهل يقال بعد ذلك أقلّ إن ودائع لبنان «مؤمّمة» وإن ادّخارات اللبنانيين، بمعظمها، مخصّصة لخدمة هدفين رئيسيين: دعم الليرة وتمويل عجز الموازنة؟
المهمّ الآن أن الملاحظة «الذهبية» للرئيس ميشال عون ترمي أمام العهد الجديد وحكوماته تحدّي الخروج من الحلقة الجهنّمية وهي «دعم الليرة بالدين».
وأمام العهد هنا خيارات عدّة:
`32; الأوّل، هو تحقيق نسبة عالية من الاستقرار السياسي والتوافق الوطني وإطلاق عمل المؤسسات بجدّ ونشاط ضمن أحكام الدستور، على أن يقترن ذلك بالإصلاح المالي والإداري والحدّ من الفساد، وإطلاق سياسة مالية شجاعة تساهم في خفض منسوب الفقر والبطالة وتسعى إلى زيادة النموّ. بذلك يصبح الاقتصاد، لا الاقتراض، داعماً لليرة.
`32; الثاني، التوقف عن دعم الليرة، إذا تعذّر الخيار الأوّل. وهذا يعني مواجهة الرأي العام بالحقيقة والاستعداد لتقبّل الخضّات النقدية والاجتماعية الحادّة التي يمكن أن تنجم عن ذلك.
`32; الثالث، هو الاستمرار بالاستدانة لدعم الليرة...