Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

رحل في الوقت الخطأ - غسان العياش (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 م يبقَ في الذاكرة الكثير من كتاب «نقد الفكر الديني» لصادق جلال العظم.
قرأناه بحماسة وقت صدوره، أيام الثورة الفكرية التي تأججت في نفوس الشباب بعد هزيمة 67، وفقدان الأمل بقدرة الأنظمة العربية على استعادة الأرض. ثورة فكرية أعقبت الصعود الواعد للثورة الفلسطينية، وفي أجواء تمرّد الطلاب في الحي اللاتيني بباريس وهزيمة الأميركيين المريرة في فيتنام.
خليط من الأسباب لا يجمعها جامع، ولكنها تضافرت في وجدان المثقفين المستنيرين والشباب العرب وحفزتهم على رفض التقليد السائد والمسلّمات المتوارثة، والسعي إلى عالم عربي وإسلامي جديد.
لم يطرح صادق جلال العظم أيديولوجية جديدة. لم يدعُ إلى الإيمان أو الإلحاد، لم يناصر النصرانية على الإسلام أو اليهودية على النصرانية، كل ما دعا إليه هو حق التفكير والمجاهرة بالرأي، وعدم إسقاط الأفكار الدينية بشكل مسلّمات غير قابلة للبحث أو النقاش، أو التفسير أو التجديد.
على الأقل هكذا فهمنا الرسالة، والعالم الإسلامي اليوم بحاجة إلى هذه الرسالة أكثر من أي وقت مضى. الإسلام في محنة، لا يقتصر نطاقها على العقيدة، بل تمتد إلى القضايا العربية والإسلامية، فتشوّه صورتها وتعزلها أمام العالم وتلحق بها أفدح الضرر، وتجرّدها من المصداقية والأصدقاء.
الصورة الظلامية السوداء تطغى في ذهن العالم على الإسلام والمسلمين. لم يعد أحد يرى فلسطين وشعبها المظلوم وأرضه السليب، ولا تنكيل الإسرائيليين به. لا علم لأحد بأن العرب بأكثريتهم الساحقة بشرٌ متعطّشون للديموقراطية والحقوق السياسية والمدنية، وهم محرومون من المدرسة والجامعة والمستشفى والحد الأدنى من الرفاه، وأن نسبة كبيرة من أطفال المسلمين ينامون جائعين، يحلمون بالحرية والرغيف.
اختفى الصوت المطالب بالديموقراطية والحياة المدنية وحكم الدستور في العراق وسوريا وليبيا واليمن. كل الثوار المسلمين والعرب هم في ذهن العالم نسخٌ عن البغدادي والجولاني والظواهري والزرقاوي وأسامة بن لادن، إلى «أئمة» ذوي عمامات من كل لون، هبطوا علينا من عصور مضت فسرقوا قضايانا وزوّروا حقيقتنا وجعلونا في معركة خاسرة ومواجهة لا سابق لها مع العصر.
المرشحون الرئاسيون والبرلمانيون في الولايات المتحدة وفرنسا والنمسا وإيطاليا وسواها يتبارون، لكسب أصوات الناخبين، في التعهد بسحق الإرهاب. وهم بالنتيجة يريدون سحق العرب والمسلمين دون تمييز بين حق وباطل، لأن صورة الباطل طغت عندنا على الحق والقضايا المحقة.
للمشكلة أسباب عديدة، إلا أن أبرز أسبابها أن التخلف عندنا مدعوم. إنه يتمتع بحماية سلطات «شرعية» ومراكز قوى سياسية ودينية ومالية تعمل كلها في الظلام، لدعم الفكر الأسود والثقافة السوداء. إنها تكافح لتجديد التخلف وتجميد العقل عند النقطة التي وصل إليها قبل سبعة قرون. وهي تستعمل دور العبادة والمدارس والجامعات ومناهج التعليم لتثبيت التخلف ومنع أشعة النور من الوصول إلى العقل الإسلامي.
إن الإسلام بكل مذاهبه وفروعه يواجه اليوم محنة عميقة وتحدّيات لا سابق لها منذ غزوات الصليبيين.. ولا سبيل للخروج من المحنة إلا بتحرير العقل والسماح بقول الحقيقة دون تخويف أو إرهاب. إعادة الالتحاق بالعصر، وحدها، تحمي الإسلام من مواجهة مع العالم لا يعرف أحد عواقبها. المطلوب ثورة الإسلام لا ثورة على الإسلام.
نحن اليوم أكثر حاجة إلى قادة رأي ومفكرين لا يتصدّون للإسلام بل يعملون على إنقاذه. نحن بحاجة إلى رجال من نمط صادق جلال العظم الذي لم يقترح دينا بديلا، بل دعا إلى تحرير الدين نفسه من الجمود الذي يقوده حكماً إلى الموت.
دعوة صادق جلال العظم لتحرير العقل نعوزها اليوم أكثر من الوقت الذي نشر فيه كتابه «نقد الفكر الديني».
لكن، يوم شعرنا بحاجتنا إليه، اختار هو الرحيل.

← Back to Selected Articles