آخر تحديث: الجمعة 20 تشرين الأول 2017 - 02:02 PM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




مختارات

بحث عن فلسطين من بكفيا - خيرالله خيرالله (المستقبل)

الأربعاء 14 حزيران 2017

 كان المؤتمر الذي استضافه «بيت المستقبل» في بكفيا تحت عنوان «حل الدولتين وما يستتبعه: التصورات الموازية لمستقبل القضيّة الفلسطينية وامكانات التسوية» مناسبة لاكتشاف امور كثيرة، بما في ذلك وجود بحث مستمر عن فلسطين وعن كيفية استعادة شعبها للحدّ الأدنى من حقوقه.

من بين هذه الامور الكلام عن احتمال تقديم إدارة ترامب، في غضون أسابيع، مبادرة لايجاد تسوية على مراحل بعيدا عن حلّ الدولتين او في اطار هذا الحل. تقوم المبادرة الأميركية المفترضة على انفتاح متبادل بين العرب وإسرائيل من جهة وتقدّم بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة أخرى. انّها عودة الى سياسة الخطوة خطوة ولكن في اطار إقليمي وفي اطار ما تشهده المنطقة من تطورات مصيرية تصبّ في إعادة تشكيلها.

افتتح المؤتمر الرئيس امين الجميّل الذي حرص على ان يبدأ المؤتمر بالنشيدين اللبناني والفلسطيني تعبيرا عن تمسك اللبنانيين بعدالة القضية الفلسطينية على الرغم من كل ارتكابات المسلحين الفلسطينيين في سنوات الحرب. النشيد الفلسطيني في بكفيا حدث بحدّ ذاته لا يتفوق عليه سوى حدث البحث عن فلسطين من تلك البلدة العريقة التي كانت مهددة بغزوة لـ «الفدائيين» في مرحلة معيّنة من اجل تهجير اهلها. لم تفت مفارقة عرض ما آلت اليه القضية الفلسطينية في مؤتمر منعقد في سراي بكفيا احد الفلسطينيين الاذكياء. قال وهو يتمتع بجمال المكان وبهندسة سراي بكفيا: لماذا كان علينا ان ندخل البلدة بالسلاح ومن الجبال المطلة عليها بدل ان نزورها معززين مكرّمين كبني آدميين كما يحصل الآن؟

كانت الأرقام التي صدرت عن فلسطينيين جاؤوا من الضفة الغربية مخيفة. هناك ما يزيد على ستمئة وخمسين الف مستوطن إسرائيلي في الضفّة الغربية. هؤلاء يقيمون في مئة وخمسين مستوطنة. ذهب احد المشاركين الى تأكيد ان عدد المستوطنين بات يقارب الـ 800 الف. ثمّة فلسطيني آخر أشار الى وجود أربعين مستوطنة تطوّق نابلس، كبرى مدن الضفّة الغربية.

من الملفت في المؤتمر ان عددا لا بأس به من المشاركين فيه ما زالوا يعيشون في الاوهام وفي ظل شعارات تجاوزها الزمن. لا يمكن تجاهل ان القضية الفلسطينية ما تزال قضية مركزية، وهذا ما شدّد عليه امين الجميّل وان حلّها يساعد في دعم الاستقرار في المنطقة، لكن الواقع يقول ان هموم العرب باتت مختلفة. لكلّ دولة عربية مصالح خاصة بها تعكس المخاوف التي لدى هذه الدولة، وهي مخاوف ناجمة في معظمها عن المشروع التوسّعي الايراني الذي اخذ مداه بعد الحرب الأميركية على العراق في العام 2003 والتي كان من نتائجها تقديم البلد على صحن من فضّة الى ايران.

لم يكن في المؤتمر ايّ جهد حقيقي لمحاولة فهم حال الترهّل التي تعاني منها السلطة الوطنية الفلسطينية. كانت هناك على العكس من ذلك سجالات فلسطينية ـ فلسطينية توحي بان هناك فلسطينيين ما زالوا يعتقدون انّ «جمهورية الفاكهاني» ما زالت قائمة وان ياسر عرفات ما زال في بيروت وان المطلوب التنافس مع «فتح»، التي لم تهد «فتح»، حتّى لو كان من يسعى الى هذا التنافس تنظيم فلسطيني صغير لا قيمة تذكر له في الأراضي الفلسطينية. رأس المال الوحيد المتبقي لهذا التنظيم، الذي يزايد في الوطنية وفي إعطاء الدروس في كيفية التفاوض مع إسرائيل، الاموال التي سرقها من البنك البريطاني في بيروت قرب الكنيسة الكبوشية في العام 1976!

كان مؤتمر بكفيا غنيّا الى حد كبير. لم يكشف ان هناك فلسطينيين ما زالوا يعيشون في الاوهام فحسب، بل كشف أيضا ان هناك فلسطينيين يريدون التصالح مع الواقع. بين هؤلاء نبيل عمرو الوزير السابق في السلطة الوطنية الذي شغل موقع السفير في موسكو وفي القاهرة لاحقا. اعتبر نبيل عمرو، وهو من الخليل، «انّ الخوف حاليا هو على الوضع الداخلي الفلسطيني. في السياسة لا ينقرض شيء. اتفاق أوسلو وحل الدولتين ما زالا قائمين». وعندما طرح موضوع المبادرة الأميركية الجديدة المفترضة كان تعليقه «انا اعرف ماذا يريد الاميركيون وماذا يريد الإسرائيليون. علينا ان نسأل انفسنا ماذا نستطيع ان نأخذ وماذا نستطيع ان نعطي». كان واضحا ومباشرا وصريحا عندما تحدّث عن التنسيق الأمني بين الاجهزة الإسرائيلية والفلسطينيين. قال «ان هناك نوعين من التنسيق. التنسيق بالسكاكين في الضفة الغربية وتنسيق بالصواريخ في غزة تتولاه حماس». لاحظ ان السلطة الوطنية تنسق امنيا مع إسرائيل على نحو مباشر في الضفة. اما «حماس» فتعتبر مثل هذا التنسيق «عيبا» لذلك تنسق مع إسرائيل «عبر تركيا وقطر».

لم يكن «بيت المستقبل» الذي اسسه امين الجميّل منتصف سبعينات القرن الماضي المنظم الوحيد للمؤتمر، بل كانت هناك مؤسسات أخرى ساهمت في جعل المؤتمر حقيقة. هناك «مؤسسة كونراد اديناور» و«مركز ولفريد مارتنز» و«مركز القدس للدراسات السياسة». أدى التعاون بين المؤسسات الأربع الى توفير مناخ سمح لعدنان أبو عودة الوزير الأردني رئيس الديوان الملكي سابقا بالقول «ان هنري كيسينجر كان صاحب فكرة اعتبار قمة الرباط في العام 1974 منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني». كان الهدف من ذلك تحويل الضفّة الغربية المحتلة منذ العام 1967، عندما كانت تحت سيادة الأردن، الى ارض «متنازع عليها» بين إسرائيل والفلسطينيين. كشف أبو عوده ان الصحافي السوفياتي يفغيني بريما كوف الذي كان يزور الشرق الاوسط مطلع الثمانينات من القرن الماضي كصحافي يبحث عن الاخبار ابلغه باكرا انه «لن تكون هناك دولة فلسطينية». اصبح بريماكوف لاحقا رئيسا للوزراء في روسيا وكان شخصا نافذا في كلّ وقت ومعبرا عن سياسة الكرملين. ولاحظ ان المسؤول السوفياتي ورئيس الوزراء الروسي لاحقا كان متفقا مع جيمس بايكر وزير الخارجية الاميركي في عهد بوش الاب بين 1989 و1993 الذي ابلغه بصفته مبعوثا للملك حسين في العام 1991 ان هدف مؤتمر مدريد ليس الوصول الى دولة فلسطينية بل الى «كيان فلسطيني»، أي الى ما هو اقل من دولة واكثر من حكم ذاتي.

كان بين افضل من لخص ما جرى في بكفيا الديبلوماسي ناصيف حتى الذي تحدث عن «ديبلوماسية إدارة الصراع». كان في غاية الدقة عندما قال ان العرب «يمارسون الديبلوماسية من دون عامل القوّة».

كان هناك بحث عن فلسطين من بكفيا. كثيرون تحدثوا في المؤتمر، لكن قليلين اظهروا من خلال ما قالوه ان ثمّة حاجة الى ربط كلّ كلام بالواقع وبموازين القوى القائم.

ليس اسهل من اطلاق الشعارات في وقت زالت دول عربية مثل العراق وسورية من الوجود. ليس اسهل من قول ايّ كلام عندما يعتقد المرء ان لا شيء تغيّر في خمسين عاما، أي منذ هزيمة 1967. هناك دولتان عربيتان مرتبطتان بمعاهدة سلام مع إسرائيل، هما مصر والاردن وهناك دولة، هي سورية تاجر النظام فيها بفلسطين، فزالت من الوجود. وهناك وضع فلسطيني مأزوم تعبر عنه بوضوح، ليس بعده وضوح، استحالة إعادة الربط بين الضفة الغربية وغزة، فضلا عن عدد المستوطنات الإسرائيلية وعدد المستوطنين في الضفّة... وقيادة فلسطينية تمارس دور رئيس البلدية وتتصرف من منطلق انّها دولة حقيقية موجودة بحد ذاتها.


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى مختارات       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: